مع اقتراب عيد الأضحى، تحوّلت الأسواق إلى ساحة غضب يومي للمواطنين بعد القفزات القياسية في أسعار الخضراوات، وعلى رأسها الطماطم التي كانت لعقود تُعرف بأنها “سلعة الغلابة” الأكثر حضوراً على المائدة.
لكن خلال الأسابيع الأخيرة، تجاوز سعر الكيلو في بعض المناطق 70 و80 جنيهاً، فيما اقتربت أسعار بعض الأصناف الأخرى مثل البامية والفلفل الألوان من مستويات غير مسبوقة، في وقت تتوسع فيه الدولة في تصدير الحاصلات الزراعية لتحقيق عوائد دولارية متزايدة.
وباتت رحلة شراء الخضراوات عبئاً يومياً يضغط على ملايين الأسر، وسط تآكل القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم واستمرار موجات الغلاء التي تضرب مختلف القطاعات، بينما يرى مراقبون أن الأزمة الحالية تكشف خللاً واضحاً في إدارة ملف الأمن الغذائي والتوازن بين احتياجات السوق المحلية وأهداف التصدير.
طماطم بـ80 جنيهاً.. وأسواق مرتبكة
شهدت أسعار الطماطم قفزات حادة خلال الأيام الأخيرة، بعدما تجاوز سعرها في بعض أسواق الجملة 45 جنيهاً للكيلو، لتباع للمستهلك النهائي بأسعار تراوحت بين 50 و80 جنيهاً بحسب المنطقة ومستوى الجودة، بينما وصل سعر البامية إلى ما بين 100 و120 جنيهاً، وقفز الفلفل الألوان إلى نحو 75 جنيهاً للكيلو.
ويقول تجار في سوق العبور إن الأزمة الحالية تعود إلى تراجع الكميات المعروضة في الأسواق المحلية، نتيجة تلف أجزاء من المحاصيل بسبب موجات الحرارة المرتفعة، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والأسمدة والعمالة، فضلاً عن توجيه كميات كبيرة من الخضراوات إلى التصدير، خصوصاً إلى الأسواق الخليجية التي تشهد زيادة في الطلب قبيل موسم الحج والصيف.
ويرى مراقبون أن ما يحدث في الأسواق لم يعد مجرد موجة موسمية معتادة، بل يعكس ضغوطاً متراكمة داخل القطاع الزراعي المصري، الذي يواجه تحديات مناخية وإنتاجية متزايدة، في وقت تُعطي فيه الحكومة أولوية واضحة لزيادة الصادرات الزراعية باعتبارها مصدراً مهماً للنقد الأجنبي.
نقيب الفلاحين: التصدير أحد أسباب الأزمة
قال نقيب الفلاحين حسين عبد الرحمن أبوصدام إن أزمة ارتفاع أسعار الطماطم تعكس “خللاً واضحاً في إدارة التوازن بين التصدير واحتياجات السوق المحلي”، مؤكداً أن التوسع في تصدير المحصول خلال الفترة الأخيرة كان سبباً رئيسياً في القفزات السعرية الحالية.
وأوضح أن مصر صدّرت نحو 19 ألف طن من الطماطم خلال الفترة الماضية بأسعار تقترب من ضعف السعر المحلي، ما دفع قطاعات واسعة من المنتجين والموردين إلى توجيه الإنتاج نحو الأسواق الخارجية، وخاصة الخليجية، بحثاً عن أرباح أعلى وعوائد دولارية أكبر.
وأضاف أن موجات الحرارة المرتفعة أثرت بشدة على العروات الزراعية، وتسببت في انخفاض الإنتاج وارتفاع نسب الفاقد، إلى جانب إصابة بعض الزراعات بآفات وأمراض حشرية، الأمر الذي قلّص المعروض المتاح داخل السوق المحلية بصورة كبيرة.
المواطن المصري يواجه “صدمة غذائية”
داخل الأسواق الشعبية، بدا الغضب واضحاً على وجوه المواطنين الذين فوجئوا بالارتفاعات المتلاحقة في أسعار الخضراوات الأساسية، خصوصاً الطماطم التي تُعد عنصراً رئيسياً في معظم الوجبات اليومية.
وقال سعد محمود، وهو موظف بإحدى الشركات الخاصة، إن أسعار الطماطم تجاوزت حدود المنطق خلال أيام قليلة، مشيراً إلى أن بعض الأسر أصبحت تشتري “بالحبة” بعد أن فقدت القدرة على شراء الكميات المعتادة.
وأضاف أن الزيادات الجديدة تمثل عبئاً إضافياً على ملايين المواطنين الذين يواجهون بالفعل ارتفاعات مستمرة في أسعار السلع والخدمات، مقابل ثبات الدخول وتراجع القدرة الشرائية بصورة حادة.
ويؤكد مواطنون أن الأزمة لم تعد تقتصر على سلعة بعينها، بل امتدت إلى معظم أصناف الخضراوات الأساسية، ما جعل إعداد وجبة يومية بسيطة يمثل تحدياً حقيقياً للأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
التصدير بالدولار.. والسوق المحلي يدفع الثمن
في المقابل، يرى تجار وموزعون أن ارتفاع أسعار الدولار لعب دوراً محورياً في تشجيع التصدير على حساب السوق المحلية، بعدما أصبحت العوائد الخارجية أكثر جاذبية للمصدرين.
وقال طلعت حمدان، وهو تاجر خضراوات بمنطقة المنتزه شرقي الإسكندرية، إن أصحاب التعاقدات التصديرية كثفوا شحنات الطماطم عالية الجودة إلى الأسواق العربية للاستفادة من ارتفاع سعر الدولار إلى نحو 53 جنيهاً، ما أدى إلى تقليص الكميات المعروضة محلياً.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف التقاوي والأسمدة والمبيدات والنقل ساهم أيضاً في مضاعفة الأسعار النهائية، محذراً من أن استمرار الأزمة دون تدخل فعلي قد يدفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز 100 جنيه للكيلو خلال الفترة المقبلة.
طفرة تصديرية رغم الغلاء المحلي
تأتي هذه التطورات بينما تواصل الحكومة التوسع في ملف الصادرات الزراعية باعتباره أحد المسارات الأساسية لتوفير العملة الأجنبية.
ووفق التقرير الأسبوعي الصادر عن الهيئة القومية لسلامة الغذاء خلال الفترة من 9 إلى 15 مايو 2026، بلغ إجمالي الصادرات الغذائية المصرية نحو 265 ألف طن عبر أكثر من 5600 رسالة غذائية، شملت الخضراوات والفاكهة والحاصلات الزراعية المختلفة.
وتصدرت السعودية قائمة الدول المستوردة للحاصلات المصرية، تلتها هولندا والسودان وسورية والإمارات، فيما جرى إصدار أكثر من 2700 إذن تصدير لصالح 1448 شركة خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر واضح على التوسع الكبير في حركة التصدير الزراعي.
ويرى خبراء أن هذا التوسع دفع كثيراً من الموردين والمزارعين إلى تفضيل البيع الخارجي، خاصة مع ارتفاع الطلب الخليجي خلال الأسابيع التي تسبق موسم الحج، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حجم المعروض داخل السوق المحلية.
تحذيرات من أزمة أمن غذائي
الأزمة الحالية أعادت فتح النقاش حول مستقبل الأمن الغذائي في مصر، خاصة مع التحذيرات المتزايدة من هشاشة القطاع الزراعي وعدم قدرته على مواكبة النمو السكاني المتسارع.
وكان المركز المصري للدراسات الاقتصادية قد حذر من أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى تعميق هشاشة منظومة الغذاء والزراعة وزيادة اعتماد البلاد على الاستيراد، مشيراً إلى أن القطاع الزراعي يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية والتوسع العمراني وارتفاع درجات الحرارة وملوحة التربة.
وأوضح المركز أن الزراعة تمثل نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر فرص عمل لما يقرب من خُمس القوة العاملة، إلا أنها لم تعد قادرة على سد الفجوة المتنامية بين الإنتاج والاستهلاك، خاصة مع توقعات وصول عدد سكان مصر إلى نحو 160 مليون نسمة بحلول عام 2050.
وانتقد التقرير اعتماد الحكومة على الاستيراد كوسيلة للحفاظ على استقرار الأسواق، معتبراً أن هذه السياسة تجعل الاقتصاد المصري أكثر هشاشة أمام تقلبات الأسعار العالمية والأزمات الدولية وسلاسل الإمداد.

