مما لاشك فيه أن إعلام الدولة العميقة ونظام مبارك شكل رأس الحربة التي واجهوا بها ثورة يناير ورئيسها المنتخب الدكتور محمد مرسي، وسددوا بها الضربات الموجعة لجماعة الإخوان المسلمين وكل أنصار يناير، بل إن أجهزة الدعاية النازية الجديدة المسماة تجاوزا بـ"الإعلام" مثلت الجزء الظاهر من جبل الجليد حتى ظن البعض أنها الجبل نفسه، ونسوا أنها رأس الحربة وليس الممسك بها والموجه لها.


 

بسبب ضربات الإعلام الإنقلابي الموجعة ظن البعض أن مرسي كان يجب عليه أن يواجه هذه المنظومة الإعلامية الدعائية أولا، ويغلق هذه المحطات التي تهاجمه ليل نهار، ولكنهم لم يعلموا حقيقة "الآمر الناهي" بحقهم والتي كشفها فيما بعد تسريب اللواء عباس كامل مع المتحدث الرسمي باسم الجيش العقيد أحمد على بخصوص البت عزة والواد الحسيني".


تسريب عباس حول الأذرع الإعلامية



 

قبل فوز الرئيس مرسي وخلال ترشحه لخوض الانتخابات الرئاسية شن إعلام مبارك حملة شعواء على المرشح الدكتور محمد مرسي عنوانها "الاستبن" لأنه كان المرشح الاحتياطي للإخوان بعد منع المهندس خيرت الشاطر من الترشح بحجة اعتقاله السابق في عهد مبارك.


وظلت الدعاية ضد مرسي الاستبن تغزو الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية وبرامج التوك شو على القنوات المختلفة اسما والمتحدة فكرا ومنهجا وإدارة، بأنه لايجوز للشعب أن ينتخب "الاستبن" دون أن يقولوا ما معنى الكلمة وما مدلولها وما العلاقة بينها وبين قدرة الرجل ومؤهلاته لإدارة مصر والوصول إلى سدة الحكم بانتخابات نزيهة؟


ابراهيم عيسى وفكرة الاستبن


 



 

بعد فشل دعاية إعلام مبارك ضد ترشح الدكتور مرسي وخلال الانتخابات الرئاسية وتأخير النتيجة، بدأ الإعلام التركيز على تجهيز الجماهير لفوزر شفيق وبدأ التشكيك في مصداقية النتيجة التي أعلنها "قضاة من أجل مصر" وبدأت القنوات الفلولية تنشر أخبارا عن توجه الحرس الجمهوري لبيت شفيق وأن المجلس العسكري اضطر لإعلان فوز مرسي بعد تهديدات الإخوان لإحراق مصر وهكذا.


 

بعد فوزالدكتور مرسي بسباق الرئاسة انتهج الإعلام المباركي استراتيجية جديدة هي عدم قدرة مرسي وحزبه على تحقيق أي إنجاز في إدارة الدولة وسلط الإعلام الضوء على تخاذل المؤسسات الممنهج في أداء دورها كالشرطة المتقاعسة بحجة ضعف التسليخ والغضب الشعبي ضدها، كما سلطو الضوء على وعود الدكتور مرسي بإنجازات المائة يوم.

 

أول 100 يوم في حكم الدكتور مرسي


وعد الدكتور مرسي بتحقيق إنجازات في ملفات الأمن والنظافة  والوقود، والخبز، والمرور بمعنى تحسن تدريجي في كل ملف وتعاون معه كل الناس إلا مؤسسات الدولة، فرأينا الأطباء والمهندسين والتجار والطلاب وغيرهم من شرفاء الوطن ينظفون الشوارع ويدهنون الأرصفة ويزرعون الأشجار ويراقبون المخابز وينشئون اللجان الشعبية لمساعدة المؤسسات المتخاذلة، في حين تململ العاملون في هيئة النظافة من طول العمل وضعف المرتبات!

 

هاجمت أبواق العسكر الرئيس المنتخب من أول يوم في الرئاسة منتظرين معجزته الإلهية في التغيير وأطلقت "لميس الحديدي قولتها الشهيرة: "لو مش قد الشيلة متشيلش"، وحملوا الرئيس كل أخطاء الدولة المباركية ورأينا مقالات من شيوخ العسكر تتكلم عن مقولة عمر بن الخطاب عن المسئولية "لو عثرت دابة في العراق"، ولم يتكلموا عن الفساد المستشري من دولة مبارك العتيدة وقبله مؤسسي نظام العسكر.



لميس الحديدى والشيلة




 

حاسب الإعلام الرئيس الذي لم يمضي على توليه المسئولية الشكلية أكثر من ثلاث شهور على حادث أوتوبيس ومزلقان دولة مبارك، وكل ذلك كان مخططا لنشر اليأس والإحباط بين عوام الشعب الذي انتخب مرسي أو انتخب شفيق، في تسليط متعمد للأضواء على التوافه، مع تجاهل أي إنجاز للرئيس مرسي، من اتساع حرية التعبير والعمل السياسي لدرجة لم تصل إليها الدولة المصرية في عهد من العهود، وبداية نهضة اقتصادية حقيقية بمشروعات قناة السويس الجديدة والمعابر مع السودان والاتفاقيات الاقتصادية مع سامسونج وغيرها من الشركات العالمية كـ"بريتش بتروليم" وغيرها.


 

مثلت حالة «باسم يوسف» أو باسم "سوسته" وبرنامجه «البرنامج» ذروة حالة الاستهزاء بالرئيس وحزبه ومناصريه من جماعته وغيرها، وكان الهدف من برنامجه إسقاط هيبة الرئيس واستقطاب الشباب والفئات المثقفة والتركيز على هفوات هنا وهناك تحدث دائما في أي عمل سياسي ومجتمعى، وكان هذا الاستهزاء المخطط هو التمهيط لإسقاط الرئيس بعد إسقاط هيبة الرئاسة.

 

باسم يوسف ساخرا من تكريم الرئيس مرسي في باكستان



 

وبعد تحريك دعوى قضائية ضده في إهانة الرئيس مرسي سلطت الأبواق الدعائية الضوء على الإجراء القانوني "المتأخر ضد باسم" على أنه بطل قومي يواجه دكتاتورا جديدا وجماعة بربرية، بالرغم من تبرأته وعفو الرئيس مرسي عن صحفي آخر حكم عليه بالسجن، وإصداره قانونا يمنع الحبس في قضايا النشر مع الاكتفاء بعقابه ماديا أو غير ذلك.


 

عكاشة نموذجا


 

لإن كان الجمهور المستهدف من باسم يوسف هو الشباب المثقف فإن جمهور توفيق عكاشة ولغته كان المستهدف منها هم قاع العامة من الفئات المهمشة من الفلاحين والصنايعية، وأصحاب المقاهي الشعبية وروادها، وأثر فيهم تأثيرا بالغا على عكس المتوقع لأن خطابه خالى من أي عقلانية أو أدلة ولكنه تلاعب بهذه الفئات التي تحولت بعد ذلك إلى المواطنين الشرفاء الذين يقتحمون المقرات ويقتلون أنصار الرئيس في الاتحادية وما تلاها.


 

وعندما اتخذت الرئاسة إجراءات قضائية ضد عكاشة تم تهريبه من قبل الداخلية قبل إلقاء القبض عليه ليوضحوا حقيقة الممسك والمتلاعب الحقيقي بالإعلام حينما يخلو من الضمير ليعلم الغاضبون من أنصار الرئيس ما كان ينتظر تحركه الفعلي ضد الإعلام دون امتلاك قوة حقيقية مسلحة على الأرض تطبق القانون وتأتمر بأمره!


 

لذلك لم يلاحق مرسي الإعلام بعد ذلك قضائيا لعلمه عن المحرك الحقيقي له وأن ما حدث مع عكاشة هو الذي سيحدث مع غيرهم مجرد صناعة بطولة زائفة لهم وتصدير صورة الدكتاتور الذي يلاحق حرية التعبير والصحفيين.


حزب النور وملف الأخونة



بعد حوالى 8 شهور من وصول مرسي إلى سدة الحكم "صوريا" عين خلالها 8 وزراء فقط و5 محافظين و8 فى مؤسسة الرئاسة، بالإضافة إلى تعيين مستشارين للوزراء ومتحدثين إعلاميين ورؤساء للقطاعات ومديرين لمكاتب الوزراء إضافة الى تعيين 5 نواب محافظين، 12 رئيس حى ومركز، و13 مستشارا للمحافظين في محاولة متأخرة للسيطرة على الانفلات الأمني والإداري في مؤسسات الدولة التي يعمل بها 8 ملايين موظف منهم آلاف الوظائف القيادية والتنفيذية.


 

وبالرغم من ضآلة العدد الذي عينه الرئيس في وزارات خدمية وليست سيادية، وبالرغم من تجنبه الدخول لوزارات كالدفاع والداخلية وأجهزة كالمخابرات وأمن الدولة، وبالغم من أحقيته كرئيس منتخب في أن يختار ويعين من يشاء في قيادة مؤسسات الدولة، إلا أنه واجه هجوما شديدا منظما من الإعلام المضاد لثورة يناير والأحزاب المتحالفة معهم سرا كحزب النور الذي اتهم الرئيس خلال لقائه رؤساء الأحزاب بالقصر الجمهوري بسعيه لأخونة الدولة وتعيين أكثر من 3000آلاف قيادة بها.


مخيون يتهم الرئيس بالأخونة





وعندما طلب منه الرئيس قائمة بأسماء هؤلاء، سلمه قائمة ب100 اسم لشخصيات عادية كمدير مدرسة ونحو ذلك بالإضافة إلى وزراء بالحكومة ومسئولين منتخبين في النقابات من قبل الدكتور مرسي نفسه بمنصب الرئيس.



مسئول بحزب النور يعد بتقديم قائمة الأخونة حين إعدادها







في الرابع عشر من فبراير 2013 نشرت جريدة «المصري اليوم» القريبة من العسكر ملفا كاملا لما سمته عملية «أخونة» الدولة فى 8 شهور من حكم مرسي، ومعظم الأسماء التي ذكرتها هي لمنتخبين في النقابات المهنية المختلفة.



وكانت آخر القرارات التي استغلها إعلام مبارك في إثارة الجدل حول الرئيس هي حركة المحافظين الجديدة، والتى تضم سبعة محافظين أعضاء فى جماعة الإخوان المسلمين، ليصل نصيب المحافظين من المنتمين إلى الإخوان المسلمين والأحزاب السياسية الإسلامية المؤيدة لهم، ثلاثة عشر محافظا من أصل سبعة وعشرين محافظا لم يتمكنوا من دخول مقر عملهم.

 

ونشرت صحف الانقلاب وقنواته المختلفة نفس عينة مخيون تقريبا وادعاءاته حول الأخونة.


حلقة بهدوء لعماد الدين أديب حول الأخونة



 

احتفاء الإعلام وتحريضه ضد الرئيس وحزبه "البلاك بلوك"


 

حرض الإعلام المناهض لثورة يناير على العنف ضد الرئيس المنتخب وحزبه واستضاف كل من ينادي بحرق الإخوان وقتلهم ووصفهم بالخرفان، فكان أحمد دومة ضيفا دائما على الفضائيات الإنقلابية وأمثاله من الثورجية و"البلاك بلوك".


دينا عبدالفتاح تستضيف مجرمي البلاك بلوك على قناة التحرير





وتم الاحتفاء بالميليشيات التي اتهمت الكنيسة بالوقوف وراءها بالتعاون مع نجيب ساويرس وتنسيق مع المخابرات وأمن الدولة، وأثار تهاون الأجهزة الأمنية وتراخيها في التعامل مع البلاك بلوك التساؤلات والاتهامات بالوقوف خلفها، كما أن هذه الميليشيات لم تستهدف الأجهزة الأمنية ولا المنشئات الشرطية التي تكون في مثل هذا الوقت أول المستهدفين، كما تجنبت الاشتباك مع الأمن المركزي، وكأن هدفها الوحيد هو مهاجمة الإخوان المسلمين وحرق مقراتهم وأوتوبيساتهم في المناسبات المختلفة فقط!


البلاك بلوك تحرق أوتوبيسات الإخوان





لعل ماكنا نتردد فيه من اتهامات أو غموض في المشهد تجاه مؤسسات الدولة في المواقف المختلفة قد زال الآن واتضح وانفضح ما كان مستترا، وعرف من هو الطرف الثالث الذي وظف كل أجهزة الدولة وعلى رأسها الجزء الظاهر من جبل الجليد (إعلام مبارك) وأتتنا الأيا بكل ماكنا نجهل والأيام حبلى.


 

لقد بدأنا نفهم الآن السبب في حرص فرعون القديم على استغلال سحرته في الدعاية له لتوطيد حكمه وبغيه، في مقابل تقريبه للسحرة، وإعطاء كل الامتيازات المادية والاجتماعية لهم، قال تعالى: فلما جاء السحرة فرعون قالوا أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين؟ قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين.


 

وها هي الأيام تمر وينكشف المستور وتأتي ذكرى وكسة أو نكسة 30 يونيو لتسلط الأضواء على دور السحرة الجدد "إعلاميي الثورة المضادة" في المؤامرة على ثورة يناير وإسقاط أول رئيس منتخب لها الدكتور محمد مرسي عيسى العياط، فهل سيسلم السحرة الجدد كما آمن سحرة فرعون؟ أم سينتهي مفعول سحرهم على هذا الشعب المسكين المبتلى بفرعون في كل زمان؟!

المصدر : نبض النهضة