في تطور ميداني لافت يكسر قواعد الاشتباك التقليدية على الجبهة السورية، تحولت عملية تسلل ليلية نفذتها قوات خاصة إسرائيلية في بلدة "بيت جن" بريف دمشق الغربي إلى مأزق عسكري محرج، استدعى تدخلاً جوياً ونارياً كثيفاً لإنقاذ القوة المهاجمة.
العملية التي سوّقت لها تل أبيب كإنجاز أمني لاعتقال "مطلوبين"، وصفها الخبير العسكري والاستراتيجي العقيد حاتم كريم الفلاحي بأنها "فشل ذريع" عسكرياً واستخباراتياً، كاشفاً عن ثغرات قاتلة في تقدير الموقف الإسرائيلي الذي اصطدم بيقظة ميدانية غير متوقعة من أهالي البلدة ومقاتليها، لتنتهي الليلة الدامية بانسحاب القوة تحت غطاء القصف العشوائي الذي خلف 13 شهيداً وعشرات الجرحى، مقابل 6 إصابات في صفوف جنود النخبة الإسرائيلية بينهم ضباط.
ليلة الحصار: تفاصيل "الكمين المحكم"
بدأت فصول الرواية بعد منتصف الليل، حين توغلت قوة خاصة إسرائيلية (يُعتقد أنها تابعة لفرقة الجولان 210 أو وحدات النخبة) باتجاه الأحياء السكنية في بلدة بيت جن المتاخمة لجبل الشيخ. الهدف المعلن كان تنفيذ عملية "جراحية" سريعة لاعتقال أو تصفية شخصيات تتهمها إسرائيل بالعمل لصالح قوى المقاومة.
خلافاً للتوقعات الإسرائيلية بدخول "صامت"، اكتشف الأهالي والمجموعات المحلية القوة المتسللة فور دخولها. وبحسب شهادات ميدانية ومصادر محلية، لم تكن القوة في وضع الهجوم بل وجدت نفسها فجأة في وضع "الدفاع المستميت" بعد أن أطبق عليها المقاتلون المحليون الحصار من عدة محاور. تحولت العملية من "إغارة" إلى "معركة بقاء"، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة من المسافة صفر، أجبرت قيادة الجيش الإسرائيلي على الدفع بطائرات مروحية ومسيرات، بالإضافة إلى قصف مدفعي عنيف لتأمين "ممر آمن" لهروب الجنود المحاصرين وسحب الإصابات التي وقعت في صفوفهم.
تشريح الفشل: رؤية العقيد الفلاحي
في تحليله للمشهد، يفكك الخبير العسكري العقيد حاتم كريم الفلاحي السردية الإسرائيلية، مؤكداً أن ما جرى في بيت جن هو "فشل مزدوج" لا يمكن تغطيته بالبيانات الرسمية.
• الفشل الاستخباراتي: يرى الفلاحي أن وقوع القوة في كمين أو اكتشافها المبكر يعني أن التقديرات الاستخباراتية التي بنيت عليها العملية كانت "عمياء". المهاجمون دخلوا منطقة يعتقدون أنها رخوة أمنياً، ليجدوا أنفسهم مكشوفين تماماً أمام شبكة رصد محلية، ما ينسف أسطورة "التفوق المعلوماتي" الإسرائيلي في تلك المنطقة.
• الفشل العسكري (التنفيذ): يشير الفلاحي إلى أن اضطرار القوة للانسحاب تحت القصف العشوائي وتدخل سلاح الجو لفك الحصار يعني عسكرياً "إجهاض المهمة" وفقدان السيطرة الميدانية. القوة لم تخرج بانتصار نظيف، بل خرجت "هاربة" بعد تكبدها خسائر بشرية (6 إصابات بينهم ضابطان وجندي احتياط بجروح خطيرة).
ويضيف الفلاحي نقطة جوهرية تتعلق بـ "جغرافية الكمين"، حيث أن بيت جن بطبيعتها الوعرة وقربها من نقاط المراقبة، كانت تستوجب خطة انسحاب أكثر إحكاماً، إلا أن ما حدث أظهر ارتباكاً واضحاً في إدارة المعركة من قبل غرف العمليات الإسرائيلية.
ضريبة الدم: الأرض المحروقة للتغطية على الانسحاب
وكعادة العمليات التي تتعثر، لجأ الجيش الإسرائيلي إلى القوة النارية المفرطة للتغطية على إخفاق نخبه. القصف المدفعي والجوي الذي استهدف المنازل ومحيط المزرعة في بيت جن لم يكن دقيقاً بقدر ما كان انتقامياً وعشوائياً لفك الطوق.
الحصيلة كانت مروعة في الجانب المدني، حيث ارتقى 13 شهيداً، دُفن بعضهم في مزارع البلدة لصعوبة الوصول إلى المقابر تحت القصف، فيما أصيب نحو 25 آخرين بجروح متفاوتة. هذا الاستخدام المفرط للنيران يعكس "حالة الذعر" التي انتابت القيادة الإسرائيلية خشية وقوع جنودها في الأسر أو مقتلهم داخل الأراضي السورية، وهو سيناريو كان سيقلب الموازين السياسية والعسكرية في المنطقة.
ما بعد بيت جن: تآكل الردع وتغير قواعد اللعبة
تضع عملية بيت جن علامات استفهام كبيرة حول مستقبل التحركات الإسرائيلية في العمق السوري. فما حدث يرسل رسالة واضحة بأن القرى الحدودية لم تعد "نزهة" للقوات الخاصة، وأن هناك بنية تحتية للمقاومة الشعبية أو المنظمة قادرة على الرصد والاشتباك الفوري.
يخلص التحليل إلى أن إسرائيل، التي تحاول فرض معادلات جديدة مستغلة انشغال المنطقة، تلقت صفعة تكتيكية قد تجبرها على إعادة حساباتها قبل تنفيذ أي توغل بري مستقبلي. فـ "الكمين" لم يكن مجرد رصاصات، بل كان كاشفاً لهشاشة النخبة الإسرائيلية عندما تفقد عنصر المفاجأة، ومؤكداً لما قاله الفلاحي: "لقد فشلوا، لأنهم دخلوا صيادين وخرجوا طرائد".

