تحوّلت الأيام والساعات الماضية إلى كابوس مائي في شمال المغرب، بعدما أعلنت وزارة الداخلية إجلاء أكثر من 143 ألف شخص من أربع أقاليم مهددة بالفيضان، في مشهد يذكّر المغاربة بكوارث سابقة، ويطرح أسئلة قاسية عن جاهزية البنية التحتية في مواجهة موجات مناخية متطرفة تتكرر بوتيرة مقلقة.
رغم أن السلطات تؤكد حتى الآن عدم تسجيل وفيات مباشرة في موجة الفيضان الحالية، فإن صور المدن التي غمرتها المياه، وبيوت الفلاحين التي تحوّلت إلى جزر معزولة، والقلق من استمرار الأمطار والعواصف، تجعل الأزمة أبعد ما تكون عن حدث عابر أو محدود.
إجلاء قياسي ومدن مشلولة في حوض اللوكوس
وفق بيان وزارة الداخلية، جرى إجلاء 143,164 شخصاً من أربعة أقاليم في الشمال: العرائش، القنيطرة، سيدي قاسم، وسيدي سليمان، مع تركّز الإجلاء في إقليم العرائش الذي خرج منه وحده أكثر من 110,941 شخصاً، بينهم الآلاف من سكان مدينة القصر الكبير والقرى المحيطة بها على ضفاف وادي اللوكوس.
المشهد في القصر الكبير ومحيطها يشبه مدينة أشباح: طرق زراعية مقطوعة، حقول غارقة بالكامل، أحياء سكنية حُوصرت بالمياه بعد أن فاض سد واد المخازن عن طاقته الاستيعابية، ما اضطر السلطات إلى فتح بواباته لتخفيف الضغط، فاندفعت كميات هائلة من المياه باتجاه السهل الغرِق أصلاً بالقرب من مصب اللوكوس.
تقول وزارة الداخلية إن عمليات الإجلاء “التدرجي” ما زالت متواصلة، وإنها تعتمد مقاربة تقوم على تقدير درجات الخطورة في كل دوار وقرية قبل اتخاذ القرار، مع تسخير حافلات ووسائل نقل مختلفة لنقل السكان إلى مراكز إيواء مؤقتة في مناطق أكثر أماناً.
في المقابل، تتحدث شهادات محلية نشرتها وسائل إعلام مغربية عن عائلات قضت ليالي كاملة في العراء أو داخل مدارس غير مجهزة، وعن فلاحين فقدوا محاصيلهم بالكامل بعد غرق البيوت والحظائر، في منطقة تُعد من أهم أحواض إنتاج الخضروات والحبوب في البلاد.
من فاجعة آسفي إلى فيضانات الشمال: مناخ أكثر عنفاً ودولة في وضع الاختبار
تأتي هذه الفيضانات بعد أسابيع فقط على سيول مدمرة ضربت مدينة آسفي في ديسمبر 2025، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والمفقودين، وفق تقارير إعلامية دولية، في واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.
المفارقة أن هذه الأمطار الغزيرة تهلّ على بلد عانى سبع سنوات تقريباً من الجفاف الحاد ونقص الموارد المائية، ما دفع خبراء إلى الحديث عن “تطرّف مناخي مزدوج” يجمع بين موجات جفاف تاريخية وفترات قصيرة من تساقطات مطرية استثنائية الكثافة، تتسبب سريعاً في فيضانات وسيول وانهيارات أرضية.
السلطات من جهتها تؤكد أن ما جرى في أحواض اللوكوس وسبو “حدث استثنائي”، وأن امتلاء سد واد المخازن بنسبة تتجاوز 140% من طاقته التخزينية اضطرها إلى اتخاذ قرارات عاجلة بتصريف المياه لحماية البنية التحتية للسد والقرى الواقعة في أعلى الحوض.
لكن منتقدين يرون أن المشكلة ليست فقط في كمية المطر، بل في تخطيط عمراني سمح بالبناء في مجاري الأودية وسهول الفيض، وبغياب كافٍ لقنوات تصريف فعالة في المدن والقرى.
وفي الخلفية، تستعيد الذاكرة الجماعية صور ضحايا سيول آسفي، بما تحمله من إحساس بعدم الأمان أمام “غضب الطبيعة” وضعف الاستعداد المؤسسي.
تقارير مراكز بحثية مغربية حذرت منذ سنوات من أن تغير المناخ سيجعل من الفيضانات المفاجئة خطراً متكرراً، ما لم تُراجع سياسات تدبير السدود، والتوسع العمراني، وحماية الأحواض المائية والمناطق الرطبة.
أسئلة ما بعد الفيضان: من التعويض إلى التخطيط لمستقبل مهدد
في الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن الأولوية الآن لإنقاذ الأرواح وتأمين الإيواء والغذاء للنازحين، بدأت ترتفع أصوات في الإعلام المحلي ومنصات التواصل تطالب بخطط واضحة لما بعد انحسار المياه:
كيف سيتم تعويض الفلاحين عن تدمير محاصيلهم؟
ماذا عن سكان البيوت المتصدعة أو التي لم يعد من الممكن العودة إليها؟
وهل سيُعاد إعمار المناطق المتضررة في أماكنها نفسها، أم سيُعاد النظر في خرائط الاستيطان الزراعي والعمراني في حوض اللوكوس؟
الخبراء يشيرون إلى أن ما يجري اليوم ليس حادثاً منعزلاً، بل جزء من نمط عالمي، حيث تجعل التغيرات المناخية المناطق الساحلية والسهلية المنخفضة أكثر عرضة لمخاطر الفيضانات، خصوصاً عندما تتقاطع مع تآكل الأراضي الزراعية، وقطع الغابات، وضعف الرقابة على البناء العشوائي.
في هذا السياق، تصبح فيضانات الشمال اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة المغربية على الانتقال من منطق “إدارة الكارثة بعد وقوعها” إلى منطق “الاستعداد والوقاية” عبر خرائط مخاطر محدثة وأنظمة إنذار مبكر وتدريب للسكان في المناطق الهشة.
حتى مساء الخميس، كانت مديرية الأرصاد الجوية تحذر من استمرار الأمطار الغزيرة والرعود والرياح القوية في عدد من الأقاليم الشمالية والوسطى، ما يعني أن منسوب الخطر لم ينخفض بعد، وأن موجات جديدة من الإجلاء أو الأضرار المحتملة تبقى مطروحة، رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها الجيش والدرك والوقاية المدنية والمتطوعون المحليون.
وبينما يُشيد البعض بسرعة الاستجابة الرسمية هذه المرة مقارنة بحوادث سابقة، يلفت آخرون إلى أن النجاح الحقيقي لن يُقاس فقط بعدد الأرواح التي جرى إنقاذها، بل بما إذا كانت هذه الفاجعة ستدفع إلى مراجعة عميقة لسياسات السدود واستعمال الأراضي وتحديث شبكات الصرف وحماية المدن الهشة، حتى لا تتحول فيضانات اليوم إلى مقدمة لكوارث أكبر غداً.

