في ظلال القرآن " أيه ومعني الجزء العاشر " - اعداد فريق " نافذة مصر " - سورة التوبة
المصدر : كتاب " الظلال " لـ المفكر الشهيد " سيد قطب "
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (التوبة - 38)
(يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثاقلتم إلى الأرض ?). .
إنها ثقلة الأرض , ومطامع الأرض , وتصورات الأرض . . ثقلة الخوف على الحياة , والخوف على المال , والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع . . ثقلة الدعة والراحة والاستقرار . . ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب . . . ثقلة اللحم والدم والتراب . . والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه:(اثاقلتم) . وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل , يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل ! ويلقيها بمعنى ألفاظه: (اثاقلتم إلى الأرض). . وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق .
إن النفرة للجهاد في سبيل اللّه انطلاق من قيد الأرض , وارتفاع على ثقلة اللحم والدم ; وتحقيق للمعنى العلوى في الإنسان , وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة ; وتطلع إلى الخلود الممتد , وخلاص من الفناء المحدود:
(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ? فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل).
وما يحجم ذو عقيدة في اللّه عن النفرة للجهاد في سبيله , إلا وفي هذه العقيدة دخل , وفي إيمان صاحبها بها وهن . لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم - " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق " . فالنفاق - وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال - هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل اللّه خشية الموت أو الفقر , والآجال بيد اللّه , والرزق من عند اللّه . وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل .

