بقلم : الدكتور " محمد محسوب "
المطرية..
ضاحية للقاهرة ونموذج لمصر.. تأخذ الزاوية الشرقية من شمال قاهرة المعز لتكون بوابة الدلتا مع شبرا الخيمة، وهو ما جعلها مناسبة للقادمين من ريف الشرقية والقليوبية والغربية للاستيطان بالعاصمة؛ وبوابتها الملكية عبر التاريخ إلى منطقة القناة خصوصا السويس ومنها لسيناء المباركة، وهو ما أهَّلّها لتحتضن جموع أهلنا من منطقة القناة عندما هجّرتهم اعتداءات أصدقاء الانقلاب واحتلالهم لسيناء العز..
وفوق ذلك كله هي جزء من تاريخ مصر الفرعوني بمسلتها الشامخة، والقبطي الذي تحكيه عبر شجرة مريم بعمرها الذي تجاوز الألفي عام، والفتح الإسلامي بسيرتها العطرة منذ الأشهر الأولى لقدوم عمرو بن العاص..
وهي أهل المطرية القديمة المتحلقين حول جامع المطراوي الذين يروون بملامحهم وطيبتهم وشهامتهم عراقة القاهرة..
وهي كَرمة ابن هانئ وذكريات أمسيات أمير الشعراء.. وشجو أم كلثوم التي فضلتها على عمارة الإيموبيليا؛ وبنهاية شارع الترعة وأمام محطة عين شمس يقبع بيت صغير بحديقة ضيقة أضحى متحفا أهداه نحّات عين شمس حسن حشمت للشعب المصري والذي تزين تماثيله محطات مترو الأنفاق بملامحها المصرية وزيها الصعيدي والريفي..
المطرية تمثل مزيجا من أطياف شعب مصر بأريافهم وحواضرهم وتمثل نموذجا لما تمتلكه مصر من مقدرات بشرية وطبيعية جغرافية لكنها مهدرة..
لكنها أيضا تقف شاهدا على ما لحق المصريين من إهمال وانهيار لخدمات الصحة والتعليم والطرق والصرف الصحي وأنظمة البناء وشبكة النقل خلال عقود من حكم استبدادي فاسد..
ويمكن لمن يريد أن يرى آثار الفساد في مصر أن يتنقل بين عزب المطرية وحواضنها في عين شمس الغربية وريفها القديم في عرب الحصن والطوايلة.. ولن تُصدم لو قابلت عزبا للصفيح يعيش فيها أهلنا.. لأن مصر ممتلئة بعزب الصفيح وسكان المقابر..
المطرية شاهدة على ما لحق الطبقة الوسطة من تمزيق وإهانة.. فهي بمليون ونصف المليون نسمة تُصدّر العلماء والمثقفين والمتعلمين وخريجي الجامعات لكنها لا تتلقى إلا الإهمال والقمع وإهدار الحقوق وإهدار القيمة..
هي مدخل الدلتا وطريق تاريخي للسويس والقناة ومن خلفها سيناء.. لكنك يمكن أن تلف ساعات طويلة لتبحث عن مدخل إليها فكل الطرق إليها مخنوقة سواء من ترعة الجبل صاعدا من حدائق القبة مرورا بجوار قصر القبة الجمهوري، أو من ابن الحكم منطلقا من مصر الجديدة إلى ميدان المطرية رمز البطولة.. أو من شبرا عابرا مسترد وترعة الاسماعلية إليها...
فنظام العسكر الغبي الفاسد كما حصر مصر وقيد حركتها وقتل مبادرة شعبها فإنه حاصر المطرية ككل أحياء مصر خصوصا الشعبية.. حاصرها بالإهمال وسوء التخطيط وسرقة المخصصات المالية..
لن أحدثك عن أحوال المرافق وفساد الوحدات المحلية وقمع أقسام الشرطة وتردي المراكز الطبية بالمطرية.. لأنها لا تختلف عما تراه في دار السلام أو امبابة أو كرداسة أو بلاد الواق واق التي ليس لها صاحب ولاتوجد بها حكومة ولا يخدمها نظام.. لأنه مشغول بنفسه يحتكر السلطة ويكنز الثروة ويجرف الخيرات..
ليست مفاجئة بطولات شباب وشابات المطرية.. فهم على رأس قائمة المضحين في ثورة يناير بموجتها الأولى.. رغم إهمالهم من الإعلام المخبراتي، وهم اليوم يعيدون رواية حكايتهم وحكاية مصر في مواجهة القمع والفساد.. ويعلنون مع كل أحياء ومناطق مصر قرارهم بانتهاء عصر القهر وبداية عصر الكرامة.. وسقوط عصر الفساد وبدء عصر الطهارة..
تظنون أن المطرية أبهرتكم.. أبدا.. بل انتظروا مزيدا من الإبهار.. من المطرية ومن كل أحياء العزّ في مصر.. فمستقبلنا يُكتب هناك..

