بقلم : ياسر سليم 

لي صديق إعلامي ممن ذكرت أسماؤهم في التسريب الأخير الخاص بالإعلاميين ، قال لي في يونيو 2013 إن توفيق عكاشة يتلقي التوجيهات من جهة سيادية ، جادلته وقتها إن تلك الجهة السيادية لايمكن أن تنزل بمستواها إلي الدرك الذي يتحدث منه عكاشة علي الشاشة ، فتركني مغاضباً مما اعتبره غباء مني .

صديقي الإعلامي الذي لا أزال أحمل له وداً له دوافعه الإنسانية عندي ، التقاني بعد إعلان نتيجة انتخابات الرئاسة الأخيرة ، ونكزني ممازحاً وقال : لو اعتقلوك هطلعك ، فرددت له الجميل قائلا : ولما هتنجح الثورة هطلعك ، هتوسط لك عند الثوار اقتداء بمن توسط من الصحابة عند النبي صلي الله عليه وسلم ، لمن ظل علي ولائه لسادة "قريش" عند الفتح .

أفضل ما في صديقي الإعلامي أنه لايكذب ولا حتي يتجمل ، يعترف أنه ذراع يتم استخدامه ، ولا يجد حرجاً في ذلك باعتباره اتساقاً طبيعياً مع ذاته ومع الناس الذين حققوا له ولو بالقوة ، أمنياته السياسية والفكرية ، وهذه الحجة هي ما أنوي السعي بها لدي الثوار لتركه ، فهو وفق متابعتي له لم يحرض علي القتل ولم يشمت في الدم ولم يخض في الدين كالذين خاضوا ، هو فقط استسلم لتعليمات من يعتبرهم أسياد البلد الذين يدركون مصلحتها أكثر منا جميعاً ، وتلقي بالقبول والرضي تعليماتهم الإعلامية ونطق بها لأنه من غير تعليماتهم سيقولها أيضاً دون حرج.

حاولت استرجاع محاوراتي معه ، باعتبار أن كل ما قاله لي يكشف الترتيبات التي تسبق ما يقوله علي الشاشة ، ربما كان يعمل معهم منذ 2010 عندما قلت له أن مبارك انتهي صحياً ، فقال لي : ادعيله يعيش شوية علشان البلد .

وأذكر أنه قال لي مرة : لما يرجع الرئيس الشرعي نبقي نشتغل صح . وكان الرئيس مرسي ساعتها لايزال في الاتحادية ، فقلت : تقصد مبارك ؟ فأجاب : لا ، الرئيس شفيق ( وكان هارباً في الإمارات ) .

وأيام الحرية ، عقب تنحي مبارك وقبل تولي الرئيس مرسي ، هاتفته معجباً يوم اتخذ موقفاً شجاعا علي الشاشة تضامناً مع أحد ضيوفه من السياسيين الكبار الذين رفضت إدارة القناة استضافته علي آخر لحظة ، فأعلن صديقي المذيع اعتذاره علي الهواء عن الاستمرار في تقديم البرنامج ، وكان مستاء فعلاً من التدخلات الإدارية .

وكان أن انتقده ـ أيام الحرية أيضاً ـ بشكل جارح أحد الناشطين الذين شاركوا في تظاهرات 30 يونيو و المعتقلين حالياً ، فكلمته بشأنه فوجدته يستضيفه في حلقة تالية ويتحدث معه بود . 

اعترف لي مرة أن معظم الإعلاميين مهووسين بسبب شهوة الشهرة ، وأن أحدهم يمكن أن يفقد الثقة في نفسه لو مر عليه مواطن ولم يعرفه ، وكنت ساعتها أسأله عن سر تمسكه بالعمل الإعلامي المنهك المهلك وهو الذي لايحتاج لدخله المالي منه ( وكان محدوداً جداً وقتها ) .

إن ما أسمعه من صديقي الذراع قبل وبعد التعليمات لايختلف عما يقوله في جلساته الخاصة ، غير أنه ربما سيكون أكثر إيمانا به لو لم تأته التعليمات .
 
حاولت كثيراً الإمساك بتلك النقطة الفارقة التي تحيل الإنسان ذراعاً ، بعد أن كان رجلاً مكتملاً بعقل يعي وبصر يري وأذن تسمع وذراع حرة ؟ ربما ذلك الهوس بالشهرة ؟ ربما المال لمن عنده شره للثروة ؟ ربما الاستكبار علي التراجع عما أقنع به الناس من قبل ؟ ربما الخوف من السلطة ؟ ربما هو سيء أصلا وكان يدعي النضال انتظارا للفرصة ؟ ربما كان يريد أن يبيع القضية من زمان ولكنه لم يكن يجد المشتري بالسعر المناسب ؟
 
إن الكوكتيل الإعلامي الذي يشكل عقل المواطن المصري المسكين حالياً ، يضم أذرع من أقصي اليمين لأقصي اليسار ، أي أننا لايمكن أن نحمل تلك الطائفة علي اتجاه معين فنقول أن هذا الذراع أو ذاك هو نتاج الفكر الفلاني ، لدينا في الإعلام "البت" التي تنتمي لفلول مبارك ولدينا "الواد" الشيوعي ، و "العيال" الناصريين ، ولدينا من هو معروف بتدينه مثل صديقي الذراع.
 
لايملك الانسان قلبه المتقلب ، وربما من ننتقدهم اليوم نكون منتقدين مثلهم غداً ، ولا نعرف من أين تأتينا الفتنة ، عافانا الله جميعاً ، وأعاد صديقي الذراع ليصبح إنسانا كاملا مرة أخري .