بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، لا تزال البلاد غارقة في واحدة من أعقد وأطول النزاعات المسلحة في تاريخها الحديث، حيث تحولت المواجهات التي اندلعت في أبريل 2023 إلى حرب شاملة أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري، وأغرقت الملايين في أزمات إنسانية غير مسبوقة.

 

بداية الانفجار.. صراع السلطة يتحول إلى حرب مفتوحة

 

في صباح 15 أبريل 2023، انفجرت الأوضاع بشكل مفاجئ في العاصمة الخرطوم، مع اندلاع اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المدعومة من الإمارات.

 

تركزت المعارك الأولى في محيط القصر الجمهوري ومطار الخرطوم الدولي ومقر القيادة العامة، قبل أن تتحول العاصمة إلى ساحة حرب مفتوحة خلال ساعات، في ظل تبادل الاتهامات بين الطرفين حول مسؤولية إطلاق الشرارة الأولى.

 

وجاء هذا الانفجار نتيجة تراكم خلافات عميقة بين الطرفين، أبرزها ملف دمج قوات الدعم السريع في الجيش، حيث تمسك الجيش بفترة زمنية قصيرة لا تتجاوز عامين، بينما طالب "حميدتي" بمهلة تمتد لعقد كامل، إلى جانب تعثر مسار الانتقال إلى الحكم المدني.

 

تحولات ميدانية.. من حرب العاصمة إلى صراع الأقاليم

 

لم تظل الحرب محصورة في الخرطوم طويلاً، إذ سرعان ما امتدت إلى ولايات عدة، لتدخل البلاد في مراحل متعاقبة من التصعيد:

 

- حرب المدن: اعتمد الجيش على الضربات الجوية والمدفعية الثقيلة، في حين انتشرت قوات الدعم السريع داخل الأحياء السكنية، وسيطرت على مرافق حيوية ومنازل، ما ضاعف من الخسائر بين المدنيين.

 

- تمدد دارفور: انتقل الصراع إلى إقليم دارفور، المعقل التقليدي للدعم السريع، حيث اندلعت معارك ذات طابع عرقي في مدن مثل الجنينة، مخلفة آلاف القتلى وموجات نزوح واسعة نحو تشاد.

 

- التحول الاستراتيجي: شكل سقوط مدينة ود مدني في ديسمبر 2023 نقطة تحول بارزة، إذ فقد الجيش مركزاً لوجستياً وغذائياً مهماً، ما أدى إلى توسيع رقعة الحرب لتشمل مناطق جديدة.

 

محطات مفصلية.. مسار حرب متقلب

 

شهدت السنوات الثلاث الماضية سلسلة من التحولات الحادة، بين تقدم وتراجع للطرفين:

 

- اندلاع القتال وانتشاره السريع في عدة مدن في أبريل 2023

 

- توقيع إعلان جدة في مايو 2023 دون نجاح في تثبيت وقف إطلاق النار

 

- تصاعد العنف العرقي في دارفور بعد اغتيال والي غرب دارفور خميس أبكر

 

- انهيار مواقع الجيش في دارفور أواخر 2023 وسقوط مدن رئيسية

 

- إعلان التعبئة العامة للجيش مطلع 2024 وبدء استعادة بعض المواقع

 

- حصار مدينة الفاشر ومعارك شرسة في دارفور خلال 2024

 

- استعادة الجيش لمناطق واسعة في الخرطوم في مارس 2025

 

- إعلان السيطرة على العاصمة بالكامل في مايو 2025

 

- عودة الحكومة للعمل من الخرطوم مطلع 2026

 

ورغم هذه المكاسب، لا تزال المعارك مستمرة في إقليمي كردفان ودارفور، حيث تحتفظ قوات الدعم السريع بنفوذ قوي.

 

كارثة إنسانية غير مسبوقة

 

بالتوازي مع التطورات العسكرية، تفاقمت الأوضاع الإنسانية بشكل كارثي. فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في مطلع 2026 أن أكثر من 33 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، في واحدة من أسوأ الأزمات عالمياً.

 

ويعيش نحو 9 ملايين نازح داخل السودان في ظروف قاسية داخل مراكز إيواء مؤقتة، بينما لجأ أكثر من 4.5 مليون شخص إلى دول الجوار، خاصة تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا.

 

كما تفشت المجاعة في عدة مناطق، خصوصاً في شمال دارفور، حيث سُجلت معدلات مرتفعة من سوء التغذية، في ظل انهيار شبه كامل للقطاع الزراعي في ولايات رئيسية مثل الجزيرة وسنار، ما أدى إلى نقص حاد في الغذاء وارتفاع غير مسبوق في الأسعار.

 

مشهد راهن معقد.. حرب بلا نهاية واضحة

 

مع دخول الحرب عامها الرابع، يبدو السودان منقسماً فعلياً بين مناطق نفوذ متباينة؛ إذ يسيطر الجيش على الشمال والشرق والوسط، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، بينما تتركز قوات الدعم السريع في الغرب، خاصة دارفور وأجزاء من كردفان.

 

ورغم التحولات العسكرية الأخيرة، لا تلوح في الأفق أي تسوية سياسية قريبة، في ظل استمرار العمليات القتالية، وتعثر المبادرات الدولية، ما يترك ملايين السودانيين رهائن لصراع مفتوح يهدد مستقبل البلاد ووحدتها.