04/10/2009

أجمعت نخب مصرية على أنه بعد مرور 36 عاما على حرب السادس من أكتوبر عام 1973 فإن الشعب المصري الذي حقق نصرا مؤزرا في هذه الحرب قد افتقد إلى "روح أكتوبر"، وتنوعت الأسباب التي أرجعوا إليها تغييب تلك الروح، ومنها ما وصفه الفقيه الدستوري الدكتور يحيى الجمل بسعي النظام الحاكم في مصر إلى تأصيل "الجمهوريات الملكية" عبر "توريث الحكم"، على حد قوله.

وانتهى المتحدثون في ندوة "36 عاما من حرب أكتوبر.. مصر إلى أين؟"، التي عُقدت بنقابة الصحفيين المصريين بالقاهرة مساء السبت 3-10-2009 ، إلى أن الأوضاع في مصر وصلت إلى "الحضيض"، بسبب غياب مشروع قومي يلتف حوله أفراد الشعب، وأصبحت المصالح الشخصية والحصول على لقمة العيش هو "الشغل الشاغل" للمواطنين، مؤكدين أن حال البلاد الآن "أسوأ بكثير مما كان عليه وقت الحرب".

وخلال كلمته قال د.الجمل إن يوم السادس من أكتوبر عام 1973 "كان يوما لا ينسى في تاريخ الأمة المصرية والوطن العربي، ولكن برغم النصر العسكري الذي تحقق في هذه الحرب، فإن مصر تعاني الآن من تردٍٍّ شديد في جميع مناحي الحياة بسبب غياب مشروع قومي يلتف حوله أفراد الشعب".

ورأى أن "النظام المصري لا يعنى بوجود ذلك المشروع القومي، وإنما يسعى كغيره من الأنظمة العربية لتأصيل ما وصفه بالجمهوريات الملكية؛ حيث أصبح توريث الحكم هو الشغل الشاغل للرؤساء العرب، ولا تشغل أنظمتنا نفسها بالعلم ولا الثقافة ولا الديمقراطية، وإنما ينشغلون فقط بالبقاء في السلطة".

وبخلاف د.الجمل، شارك في الندوة التي عقدت في إطار صالون إحسان عبد القدوس الثقافي، الأديب والروائي الدكتور علاء الأسواني، والكاتب الصحفي محمد عبد القدوس، والشاعر جمال بخيت، والسفير إبراهيم يسري، والكاتبة والناقدة الدكتورة كريمة الحفناوي، وحشد كبير من المثقفين المصريين.

روح أكتوبر

د. الأسواني من جهته فرق بين الأمة والأفراد قائلا: "الأمة المصرية كانت أهدافها وقت حرب أكتوبر أهم من أهداف الأفراد، وعندما غاب ذلك المعنى وأصبح كل مواطن يسعى لتحقيق مصلحته الشخصية وصلت البلاد الآن بعد ستة وثلاثين عاما من الحرب إلى مرحلة الحضيض".

وأضاف أن "حرب أكتوبر كانت من اللحظات التي شعر فيها أفراد الشعب المصري بمعنى الأمة، وأخرجت أفضل ما فيهم، فحاربنا وانتصرنا، بل إن هذا الإحساس قد انتقل أيضا إلى اللصوص فلم تسجل أقسام الشرطة أي حوادث سرقة أو شجار أو قتل خلال أكتوبر 1973؛ وهذا ما يطلق عليه البعض روح أكتوبر، والتي للأسف لم تعد موجودة الآن بسبب فقدان المواطنين للشعور بالأمة ولعدة أسباب أخرى".

أول هذه الأسباب -بحسب د.الأسواني- هي "أن المواطن المصري لا يشارك فيما يحدث داخل وطنه، فالقرارات تتخذها الحكومة بعيدا عنه، ومعظم الوزراء ليس لهم تاريخ سياسي، ولا يعرف المواطن أسباب تعيينهم أو استبعادهم".

وأخيرا "غياب مشروع قومي يلتف حوله الشعب، مثلما كان موجودا أيام حرب أكتوبر وبناء السد العالي وحتى في أيام الاستعمار، فاليوم لا توجد قضايا كبرى تشغل المواطن، والكل يسعى للحصول على لقمة العيش فقط"، وفقا للأديب المصري.

شوية دم!

 

أما الشاعر جمال بخيت فشدد على أن حال مصر الآن "أصبح صعبا للغاية؛ فالفقر والمرض ينهش في السواد الأعظم من الشعب"، وهو ما حاول التعبير عنه عبر قصيدته التي ألقاها في الندوة بعنوان "مش باقي مني غير شوية دم"، وتقول كلماتها:

مش باقي مني غير شوية لحم ف كتافي

بلاش يتبعتروا ف البحر

بلاش يتحرقوا ف قطر الصعيد ف العيد

بلاش لكلب الصيد.. تناوليهم

خدي اللي باقي من الأمل فيهم

وابني لي من عظمهم

في كل حارة مقام

وزوريني مرة وحيدة

لو كل ألفين عام

ألم الجراح يتلم

مش باقي مني غير شوية دم

متلوثين بالهم

مُرين وفيهم سم

بادرة أمل

في المقابل، رفض السفير إبراهيم يسري، مؤسس حملة وقف تصدير الغاز للكيان الصهيوني ، "الاستسلام لليأس"، مشددا على أن "مصر لا تستحق هذا التردي".

وبشر بأن "هناك بادرة أمل من خلال الحركات الاحتجاجية التي تزداد يوما بعد يوم؛ ما يشير إلى أن البلاد في مرحلة مخاض للخروج من الحضيض، وهذه مسئولية تقع على عاتق كل المصريين، وخاصة النخب".

وناشد النخب المصرية بأنه "يجب أن تغير من أنفسها استعدادا لخوض معركة تحرير المواطن المصري من الديكتاتورية؛ فالإصلاح لا يمكن أن يبدأ إلا بالديمقراطية".

كذلك اتهمت الكاتبة الدكتورة كريمة الحفناوي النظام الحاكم في مصر بأنه "سرق فرحة النصر من الشعب بقيامه بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، وأعاد البلد مرة أخرى إلى مرحلة ما قبل النقاط الست التي قامت عليها الثورة، فرجال الأعمال الذين يشكلون إقطاعيين جددا هم من يحكم مصر الآن على حساب الشعب الذي أصبح نصفه تحت خط الفقر، والنصف الآخر يعيش أوضاعا مأساوية"، مؤكدة هي الآخرى على أن "الحل الوحيد لخروج مصر من هذا المأزق هو الديمقراطية".

ـــــــــــــــــــــــــــ

المصدر : اسلام اون لاين