يدفع تمويل جديد بقيمة تصل إلى 120 مليون دولار مزارع رياح جبل الزيت إلى مرحلة أعمق من نقل الإدارة، مع دخول مؤسسة دولية لتمويل استحواذ ألكازار على أصول تولد 580 ميغاواط.
وتضع الصفقة أصلًا ممولًا سابقًا بأموال أوروبية ويابانية وإسبانية داخل ترتيب طويل الأجل، بينما تظل الشركة المصرية لنقل الكهرباء مشتريًا للإنتاج لمدة 25 عامًا، وتدخل وزارة المالية ضامنًا لاتفاق شراء الطاقة.
تمويل دولي وراء صفقة الأصول
وفي هذا السياق، تدرس مؤسسة التمويل الدولية إقراض المشروع حتى 120 مليون دولار، إلى جانب اتفاق مبادلة فوائد بقيمة 10 ملايين دولار، مع بقاء التمويل في مرحلة الدراسة وعدم صدور موافقة نهائية حتى الآن.
كما تصنف مؤسسة التمويل الدولية المشروع ضمن برنامج خصخصة الأصول المملوكة للدولة، وتقول إن هيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة تتخارج من مزرعة رياح قائمة بالفعل، لا من مشروع يجري إنشاؤه من الصفر.
وفي المقابل، تعرض البيانات الحكومية الترتيب باعتباره اتفاقًا للاستثمار والتشغيل وإدارة الأصول، بقيمة استثمارية معلنة تبلغ 420 مليون دولار، مع التزام المستثمر بالصيانة والإحلال والتجديد والحفاظ على قدرة لا تقل عن 580 ميغاواط.
وفوق ذلك، سيقسم المشروع إلى ثلاثة مشروعات فرعية، ويحصل كل مقترض على تسهيل ائتماني منفصل، ما يجعل التمويل موزعًا على ثلاثة كيانات بدل عقد تمويل واحد يغطي المحطة بكامل مكوناتها.
أما الجهة الممولة فهي مؤسسة التمويل الدولية، وهي مؤسسة دولية متعددة الأطراف وعضو في مجموعة البنك الدولي، مملوكة لدول أعضاء ومقرها واشنطن، ولذلك لا توصف قانونيًا بأنها شركة أمريكية ذات جنسية وطنية.
ومن ناحية المستثمر، يرعى المشروع صندوق ألكازار إنرجي بارتنرز الثالث، وهو صندوق بنية تحتية ضمن هيكل قانوني أوروبي مرتبط بلوكسمبورغ، بينما تعمل شركة الإدارة وفريقها من دبي في الإمارات.
وفي المقابل، تؤكد الإفصاحات أن المزارع الثلاث شيدت ودخلت التشغيل بين 2014 و2018، بتمويل شاركت فيه مؤسسة الإعمار الألمانية وبنك الاستثمار الأوروبي ووكالة التعاون الدولي اليابانية وصندوق تمويل إسباني.
وعند هذه النقطة، ترى الدكتورة عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد وعميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق، أن بيع الأصول أو رهنها لتخفيف الدين يمنح سيولة مؤقتة لكنه لا يعالج أصل الاعتماد المستمر على الاقتراض.
كما تشدد المهدي على أن تخفيض الدين لا ينبغي أن يتحول إلى استنزاف للأصول، وأن العلاج الطويل يرتبط بخفض عجز الموازنة ورفع كفاءة الإيرادات، لا بتكرار تحويل الأصول إلى حصيلة دولارية قصيرة العمر.
ضمان المالية يمتد ربع قرن
وفي قلب الصفقة، ترتبط المزارع باتفاق شراء طاقة لمدة 25 عامًا مع الشركة المصرية لنقل الكهرباء، بينما توفر وزارة المالية ضمانًا للاتفاق، بما يضع الخزانة العامة داخل الهيكل التعاقدي طويل الأجل.
وبالتالي لا تخرج الدولة بالكامل من المعادلة بعد انتقال الإدارة، فهي تظل عبر شركة الكهرباء المشتري للطاقة المنتجة، فيما يمنح ضمان المالية طبقة حماية إضافية للممول والمستثمر طوال فترة الاتفاق.
وفي الوقت نفسه، لا تعني الضمانة أن الخزانة ستدفع تلقائيًا كل مستحقات المشروع، لكنها تجعل شروط شراء الكهرباء ومخاطر السداد والتسعير عناصر تمس المالية العامة ولا تخص المستثمر وحده.
ومن ثم تصبح تعريفة شراء الكهرباء وطريقة تعديلها وعملة السداد وشروط التعويض عند الإخلال عناصر حاسمة في تقييم الصفقة، وهي تفاصيل لم تنشر كاملة ضمن البيانات المتاحة للجمهور حتى الآن.
وفي هذا الإطار، يشير الدكتور حافظ سلماوي، أستاذ هندسة الطاقة والمسؤول السابق عن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، إلى أن الحكم على قيمة جبل الزيت يرتبط أساسًا بسعر شراء الدولة للكهرباء وشروط التعاقد.
كما يؤكد سلماوي أن مقارنة تكلفة إنشاء المحطة في الماضي بالقيمة الحالية وحدها لا تكفي، لأن العمر التشغيلي والإهلاك والصيانة والاستثمارات الجديدة وسعر الطاقة المشتراة تحدد القيمة الاقتصادية الفعلية للأصل.
لكن سلماوي سبق أن حذر من الضغوط التي تصنعها الالتزامات المالية المتبادلة داخل قطاع الكهرباء، معتبرًا أن تأخر المستحقات والدعم المالي يزيد المديونيات ويضاعف صعوبة الوصول إلى توازن مالي مستدام للقطاع.
وعلى الجانب الآخر، تقول الحكومة إن المستثمر يتحمل مسؤوليات التشغيل والإدارة الفنية والصيانة والإحلال ورفع الكفاءة، وهو التزام قد يخفف نفقات مباشرة كانت ستتحملها الجهات المالكة خلال السنوات المقبلة.
ومع ذلك، يظل قياس هذا الوفر مرتبطًا بحجم ما ستدفعه شركة نقل الكهرباء لشراء الإنتاج، وبقيمة الضمانات وأعمال الإحلال وشروط إعادة الأصل بعد انتهاء مدة التعاقد الطويلة.
تشغيل أجنبي وعائد تحت الاختبار
وفي التشغيل، تتولى سيمنس جاميسا للطاقة المتجددة إدارة وصيانة المزارع حاليًا، ومن المتوقع استمرارها بعد الاستحواذ، بينما لا تزال مدة العقد ونطاق الخدمات وقطع الغيار وأنظمة المراقبة محل تفاوض.
أما سيمنس جاميسا فهي شركة مسجلة ومقرها في إسبانيا، لكنها مملوكة بالكامل لمجموعة سيمنس إنرجي الألمانية، ما يجعل التشغيل الفني مرتبطًا بكيان إسباني تحت ملكية مجموعة ألمانية.
كما يضيف استمرار الشركة بعد الصفقة حلقة أجنبية أخرى إلى منظومة الأصل، من التمويل الدولي إلى المستثمر الذي تدار أعماله من دبي، ثم المشغل الأوروبي، بينما تبقى الكهرباء مباعة إلى جهة مصرية.
وفي المقابل، يحمل استمرار مشغل متخصص ميزة فنية محتملة، خصوصًا أن الموقع يضم نحو 290 توربينًا موزعة على ثلاث مراحل، وتحتاج المنظومة إلى صيانة مستمرة وإدارة دقيقة للمكونات وقطع الغيار.
غير أن الإفصاح الدولي وضع المشروع ضمن الفئة البيئية «A» ذات المخاطر الكبيرة، بسبب وقوعه داخل مسار عالمي لهجرة الطيور المحلقة، ما يفرض التزامات إضافية للرصد والحماية أثناء التشغيل.
وفوق ذلك، سجلت المراجعة البيئية احتياجات لتطوير أنظمة السلامة والإطفاء وإجراءات العمل والتعامل مع المخلفات، ما يعني أن الاستحواذ لا ينتقل إلى أصل بلا التزامات فنية، بل إلى منشأة تحتاج إنفاقًا مستمرًا.
وعند قراءة الجانب المالي، يقول الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين الأسبق، إن الاعتماد على بيع الأصول لمواجهة أزمات التمويل لا يعالج الاختلالات التي تولد الحاجة المتكررة إلى الدين.
كما يربط عبد الخالق المشكلة بضعف القاعدة الإنتاجية واختلال أولويات الإنفاق، معتبرًا أن توفير الدولار عبر الأصول لا يصبح إصلاحًا اقتصاديًا ما لم تتغير السياسات التي تعيد إنتاج العجز والاقتراض.
ومن زاوية أخرى، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن الاعتماد المتزايد على بيع الأصول ورفع الرسوم يعكس ضعف أدوات التنفيذ، بينما تبقى أعباء الدين وفوائده قيدًا على قدرة الاقتصاد على النمو.
وفي ضوء ذلك، لا تقف قضية جبل الزيت عند هوية المستثمر أو حجم القرض وحدهما، بل عند ما ستحصل عليه الدولة فعليًا بعد خصم الالتزامات وما ستدفعه مقابل الكهرباء خلال 25 عامًا.
وفي النهاية، يجمع الهيكل بين تمويل دولي يصل إلى 120 مليون دولار ومستثمر تدار أنشطته من دبي ومشغل أوروبي وضمان من وزارة المالية، بينما تظل تفاصيل التسعير والعائد الكامل خارج النشر العام.
ولذلك يبقى الاختبار الحقيقي في الأرقام غير المعلنة بعد: قيمة التدفقات التي ستحصل عليها الخزانة، سعر شراء الطاقة، كلفة الضمانات، ونهاية الأصل بعد ربع قرن من التشغيل والاستثمار الخاص.

