ترفع موجة الأسعار الجديدة كلفة امتلاك الهاتف في مصر إلى مستويات غير مسبوقة، بعدما قفزت أسعار بعض الأجهزة الاقتصادية 63.6% والمتوسطة 78.1% منذ بداية 2026 حتى مطلع سبتمبر، رغم توسع الإنتاج المحلي.
وتضع هذه القفزات شعار التصنيع المحلي أمام اختبار مباشر، لأن المستهلك لم يلمس حتى الآن الوعد الأهم المرتبط بالتوطين، وهو تخفيف أثر الاستيراد وسعر الدولار وتحويل زيادة الإنتاج إلى أسعار أكثر قدرة على الاحتمال.
زيادات تبتلع مكاسب التصنيع
وفي هذا السياق، تظهر قوائم أسعار سامسونج وأوبو وشاومي وريلمي أن التصنيع داخل مصر لم يمنع موجة صعود واسعة، بينما بدأت بعض هواتف الفئة الاقتصادية من نحو 8400 جنيه بعد الزيادات الأخيرة.
وبالمقابل، توسعت الدولة في جذب خطوط الإنتاج حتى وصل عدد العلامات العاملة محليًا إلى 15 علامة، بطاقة قصوى تقارب 20 مليون جهاز سنويًا واستثمارات تقترب من 200 مليون دولار.
ومع ذلك، بلغ الإنتاج المحلي نحو 10 ملايين هاتف خلال 2025، بعد نحو 3 ملايين في 2024، بينما تستهدف الجهات الرسمية رفع الإنتاج إلى ما بين 14 و15 مليون جهاز خلال 2026.
وفي الوقت نفسه، لم يمنع اتساع الطاقة الإنتاجية هبوط المبيعات، إذ قال محمد طلعت إن مبيعات الهواتف تراجعت بنحو 20% مقارنة بالعام السابق، مع استمرار ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية.
ومن جهة أخرى، وصلت واردات بند أجهزة الهاتف خلال النصف الأول من 2026 إلى نحو 946.55 مليون دولار، بزيادة 19.25%، رغم أن هذا البند يشمل أجهزة اتصالات أخرى وليس الهواتف وحدها.
وبينما تبرر الشركات جانبًا من الزيادات بارتفاع التشغيل والمكونات والشحن وسعر الصرف، قالت مصادر في القطاع إن تكاليف التشغيل ارتفعت بأكثر من 35% منذ بداية العام، وهو عبء حقيقي لكنه ليس العامل الوحيد.
وفي قراءة موازية، يرى الدكتور كريم العمدة، خبير الاقتصاد، أن منح شركات المحمول تسهيلات واسعة يصبح محل تساؤل عندما تظل تكلفة المنتج المحلي مرتفعة، رغم انخفاض كلفة العمالة والطاقة نسبيًا.
كما يرى العمدة أن حماية التصنيع لا تستلزم تعميم القيود على دخول الهواتف من الخارج، معتبرًا أن الضوابط الموجهة للاستيراد التجاري كانت أكثر اتساقًا من تحميل جميع المستهلكين كلفة الحماية نفسها.
وبذلك، تتحول زيادة الإنتاج من مؤشر صناعي إيجابي إلى رقم محدود الأثر على المستهلك إذا لم تظهر في السعر النهائي، خصوصًا مع تراجع المبيعات واتساع الفجوة بين الدخول وأسعار الأجهزة.
صنع محليًا وبيع أغلى
وفي قلب الأزمة، يبرز مثال سامسونج A17 المصنع أو المجمع محليًا، إذ بلغ سعره في السوق المصرية نحو 8600 جنيه، بينما بيع في السعودية بنحو 500 ريال، أي قرابة 6250 جنيهًا.
وعلاوة على ذلك، يصعب رد الفارق إلى ضريبة القيمة المضافة وحدها، لأن الضريبة تبلغ 14% في مصر مقابل 15% في السعودية، رغم بقاء السعر السعودي أقل بوضوح من السعر المحلي.
وفي هذا الإطار، قال المهندس وليد رمضان، نائب رئيس شعبة الاتصالات والمحمول، إن بعض الأجهزة المجمعة في مصر تباع بالخارج بأسعار أقل، رغم حصول المصانع المحلية على إعفاءات وامتيازات مرتبطة بالتجميع.
وأضاف رمضان أن ما يجري في عدد من المصانع هو تجميع أكثر منه تصنيعًا كاملًا، وهي ملاحظة تصطدم بالخطاب الذي يربط كلمة «محلي» تلقائيًا بانخفاض الاستيراد والسعر وزيادة القيمة المضافة.
ولهذا، طالب رمضان بتشكيل لجنة تضم شعبة المحمول وحماية المستهلك وحماية المنافسة لمراجعة أسعار الأجهزة المصنعة محليًا، ومقارنتها بالأسواق المجاورة، بدل ترك التسعير مغلقًا خلف قرارات الشركات.
وفي المقابل، تقول الجهات الرسمية إن التصنيع المحلي بات يغطي نسبة متزايدة من السوق، وإن 15 علامة تعمل بطاقة قصوى 20 مليون وحدة، بما يتجاوز في النهاية جزءًا كبيرًا من الطلب المحلي.
لكن المفارقة تبقى قائمة، لأن توسيع الإنتاج يفترض اقتصاديًا خفض بعض تكاليف النقل والاستيراد والمخزون، بينما يجد المستهلك أن الجهاز الخارج من مصنع محلي قد يصل إليه بسعر أعلى من الخارج.
وفوق ذلك، قالت مصادر بالقطاع إن نسبة المكون المحلي ارتفعت إلى ما بين 55% و60% مقابل نحو 45% سابقًا، وهو تطور كان يفترض أن يقلل حساسية السعر لتحركات الدولار تدريجيًا.
ومع ذلك، استمرت الزيادات خلال 2026، بما يعني أن زيادة المكون المحلي لم تتحول بعد إلى حماية سعرية ملموسة، سواء بسبب ارتفاع تكلفة المكونات المستوردة أو سياسات التسعير أو هوامش التوزيع.
التجميع لا يصنع حماية سعرية
وفي خلفية المشهد، تواجه صناعة الهواتف ضغطًا عالميًا حقيقيًا من سوق الرقائق والذاكرة، بعدما رفعت طفرة الذكاء الاصطناعي الطلب على القدرات التصنيعية ومكونات الذاكرة المستخدمة في الخوادم والهواتف.
وبحسب بيانات سوقية دولية، ارتفعت أسعار ذاكرة الهواتف بأكثر من 80% على أساس فصلي خلال الربع الثاني من 2026، وقفزت تكلفة مكونات بعض الهواتف الاقتصادية بنحو 70% سنويًا.
غير أن هذه الضغوط العالمية لا تفسر وحدها لماذا يكون الهاتف المصنع في مصر أرخص بعد تصديره إلى سوق أخرى، وهي النقطة التي تضع طريقة التسعير المحلية نفسها تحت الفحص.
ومن جانبه، قال المهندس محمد طلعت، رئيس شعبة الاتصالات والمحمول، إن الأسعار ارتفعت مرات متقاربة، وإن المستهلك بات يتجه إلى الهاتف المستعمل أو يعيد توزيع الأجهزة القديمة داخل الأسرة.
كما ربط طلعت جانبًا من الزيادات بأزمة رقائق الذاكرة، لكنه قال إن انتهاء النقص العالمي يسقط مبررات استمرار الزيادات، وهو ما يجعل تراجع الأسعار اختبارًا مباشرًا لأي تبرير مرتبط بالمكونات.
وفي المقابل، تراهن الجهات الرسمية على أن رفع نسبة التصنيع المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات سيمنح السوق مرونة أكبر، لكن أثر هذه السياسة يظل ناقصًا ما دام السعر يرتفع أسرع من قدرة المستهلك.
وعند مقارنة الأرقام، يصبح التناقض أكثر حدة: إنتاج يتضاعف، ومكون محلي يرتفع، وطاقة قصوى تتسع، ثم أسعار تقفز حتى 78.1% ومبيعات تتراجع، وهو مسار لا يمنح الأسر ثمرة التوطين المعلنة.
وفوق هذا كله، لا تعني عبارة «صنع في مصر» وحدها أن سلسلة القيمة أصبحت مصرية، ما دامت الرقائق والذاكرة ومكونات رئيسية أخرى مرتبطة بالخارج وتظل فاتورتها شديدة الحساسية للدولار والشحن.
وفي النهاية، يبقى معيار نجاح توطين صناعة الهاتف أبعد من عدد المصانع وخطوط الإنتاج، لأن الاختبار الحقيقي هو مقدار القيمة المضافة المحلية، واستقرار الإمدادات، وعدالة المنافسة، وقدرة المستهلك على الشراء.
وبالتالي، فإن استمرار بيع جهاز محلي بسعر أعلى من سوق يتلقى الجهاز نفسه من مصر يترك سؤال التسعير مفتوحًا، ويجعل الرقابة على السوق والمنافسة جزءًا أساسيًا من أي سياسة تصنيع جادة.

