أعلن مجلس القضاء الأعلى في القاهرة، يوم 17 يونيو 2026، دراسة مقترحات لإقرار مزايا مالية شهرية لأعضاء القضاء والنيابة العامة، وسط 3 مسارات ضغط، مالية ومهنية ورقابية، انتهت بتحويل الأزمة إلى اعتراف مؤسسي مكتوم.

 

وبالتالي، لم يعد البيان مجرد خبر إداري عن بدل مالي جديد، بل صار مرآة لدولة تطلب من المصريين احتمال الفقر والصمت، ثم تتحرك سريعًا حين يصل الضيق إلى مؤسساتها الأكثر حساسية داخل منظومة الحكم.

 

كما أن اختيار الصرف من الموارد الذاتية والحساب الادخاري لا يغلق السؤال، بل يفتحه على اتساعه، لأن العدالة لا تستقيم حين تتحول الحقوق الاجتماعية إلى امتيازات داخلية، بينما يظل عموم المواطنين تحت سكاكين الغلاء.

 

لذلك، تبدو الأزمة كاشفة لا منشئة، فهي تفضح طبقات التدهور داخل جهاز يفترض أنه يحمي الحقوق، لكنه صار هو نفسه يشتكي من المرتبات، وتضخم الملفات، وقسوة التفتيش، وخنق المجال المهني والنفسي.

 

المزايا المالية وسؤال العدالة الاجتماعية

 

من ناحية أولى، جاءت الأرقام المنقولة عن مصادر قضائية لتقول إن رئيس محكمة (أ) يحصل على نحو 25 ألف جنيه، ورئيس محكمة (ب) على 20 ألفا، بينما يدور متوسط وكيل النائب العام حول 15 ألفا.

 

غير أن هذه الأرقام، رغم أنها أعلى بكثير من دخول ملايين المصريين، تكشف انهيار قيمة الأجر في مصر كلها، حين لا تعود وظيفة قضائية قادرة على ضمان سكن لائق وتعليم مناسب وحياة مستقرة.

 

علاوة على ذلك، فإن الأزمة المالية داخل القضاء لا يمكن فصلها عن سياسة اقتصادية حولت الطبقة الوسطى إلى طابور خوف، وأعادت تعريف الكرامة بوصفها قدرة يومية على النجاة من الإيجار والمدارس والعلاج والأسعار.

 

في المقابل، يرى المحامي الحقوقي ناصر أمين أن استقلال القضاء ليس مطلبا خاصا بالقضاة، بل ضمانة لحماية الناس من المحاكمات غير العادلة، وهو معنى يجعل العدالة قضية مجتمع لا امتيازا مهنيا مغلقا.

 

بناءً على ذلك، فإن أي معالجة مالية لا ترتبط بإصلاح أشمل ستبقى مسكنا محدودا، لأن القاضي المنهك ماديا والموظف المطحون اجتماعيا والمواطن الفقير أمام المحكمة، جميعهم ضحايا نظام ينهب المعنى قبل الراتب.

 

لزيادة وضوح الصورة، فإن الحساب الادخاري نفسه أُنشئ باستقطاع شهري من القضاة وأعضاء النيابة، مع وعد بالنظر في مزايا مالية لاحقة، ما يجعل القرار استجابة متأخرة لضغط داخلي تراكم خلف الأبواب المغلقة.

 

مع ذلك، يبقى السؤال الأخطر: لماذا تتحرك الدولة حين يضيق صدر بعض مؤسساتها، بينما تتجاهل سنوات طويلة من صرخات الأطباء والمعلمين والعمال والموظفين، الذين يواجهون الغلاء ذاته بلا حساب ادخاري يحميهم.

 

ثم إن تحويل المطالب إلى مزايا داخلية لا يعالج جذور الأزمة، بل قد يعمق الإحساس العام بالتمييز، لأن المجتمع يرى سلطة تطلب منه التقشف، ثم تبحث لنخبها عن مخارج مالية أقل صخبا.

 

العبء المهني حين تتحول العدالة إلى طابور

 

من جانب ثان، كشفت الشكاوى المهنية عن حجم عمل متضخم يواجهه القضاة وأعضاء النيابة، في ظل ملايين القضايا والتحقيقات، ونقص الكوادر، وساعات طويلة تبتلع الحياة الشخصية وتدفع الجهاز العدلي إلى الإنهاك.

 

فضلا عن ذلك، فإن تصريح وزير العدل السابق عمر مروان في 2020 عن وجود نحو 22 ألف قاض وعضو هيئة قضائية، بينهم 11 ألفا بالقضاء العادي، كشف خللا بنيويا لا يخص الرواتب وحدها.

 

إذ أوضح مروان وقتها أن مصر لديها قاض لكل 33 ألف مواطن، مقابل معدل عالمي يبلغ قاضيا لكل 14 ألفا، وهي فجوة تجعل العدالة بطيئة بطبيعتها، مهما حاولت البيانات تجميل المشهد.

 

وبينما يتراكم هذا العبء، يصبح وكيل النيابة في بداية طريقه عالقا بين ضغط الملفات وتعليمات الإدارة وصورة اجتماعية مكلفة، فلا هو صاحب قرار كامل، ولا هو موظف عادي يستطيع الهروب من الواجهة.

 

كذلك، فإن تحذير طارق خاطر من ضرورة محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة ودون تأخير غير مبرر، يضع أزمة القضاة في قلب حق المواطن، لأن التأخير ليس عبئا إداريا فقط بل انتقاص من العدالة.

 

ومن ثم، فإن ساعات العمل الطويلة لا تنتج فقط إنهاكا فرديا، بل تفتح الباب لأخطاء وقرارات آلية وتسرع في التحقيقات، حيث يتحول الإنسان داخل الملف إلى رقم، وتتحول العدالة إلى إدارة ضغط لا إنصاف.

 

على هذا الأساس، لا تبدو الاستقالات أو حالات التذمر شأنا داخليا عابرا، بل مؤشرا على أن ماكينة العدالة وصلت إلى مرحلة احتكاك خطرة، وأن صمت المؤسسات لم يعد قادرا على إخفاء الأصوات.

 

في السياق نفسه، عندما يشتكي القضاة من التعليم والسكن والعلاج، فإن ذلك يعني أن الأزمة الاقتصادية اخترقت حتى المواقع التي كانت تبدو محصنة، وهو إقرار ضمني بأن دولة الوعود الكبرى تركت الجميع عراة.

 

التفتيش والرقابة بين الانضباط وكسر الاستقلال

 

أما المحور الثالث، فيتعلق بالتفتيش القضائي والرقابة الداخلية، حيث تحدثت شكاوى عن استدعاءات متكررة وشعور دائم بالمراقبة، بينما تبرر الجهات المختصة ذلك بضمان جودة الأداء وحماية هيبة القضاء ورسالة العدالة.

 

إلا أن الفارق كبير بين رقابة مهنية تحسن الأداء، ورقابة تحاصر النفس وتدفع صاحب القرار إلى انتظار التعليمات، لأن العدالة لا تعمل بعقل خائف، ولا تستقيم حين يصبح الاستقلال مجرد عبارة احتفالية.

 

من جهة أخرى، سبق لمجلس القضاء الأعلى أن أعاد تفعيل قرار غلق المجموعات القضائية الإلكترونية، مبررا ذلك بضبط التداول وحماية الهيبة، لكن السياق أظهر أيضا قلقا واضحا من خروج النقاش الداخلي إلى العلن.

 

وبحسب حسام بهجت، فإن الفساد القضائي لا يقتصر على الرشوة، بل يشمل المكاسب غير المادية وتعزيز السلطة السياسية، وهو توصيف يمنح أزمة التفتيش معنى أوسع من مجرد خلاف إداري داخل المؤسسة.

 

لذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في شكوى قاض من مرتبه، بل في جهاز عدالة يزداد اعتمادا على الضبط الإداري بدل الاستقلال المهني، فينكمش هامش القرار ويتسع هامش الخوف داخل الممرات.

 

في النهاية، يكشف بيان المزايا المالية عن أزمة أعمق من زيادة شهرية، أزمة دولة جعلت العدالة تعمل تحت ضغط المعيشة والملفات والرقابة، ثم تريد من المواطنين أن يصدقوا أن الميزان لا يزال مستقيما.