يكشف حديث قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي أمام خريجي الجهات القضائية في 17 سبتمبر 2026 عن عودة واضحة إلى خطاب الخطر المستمر، وربط الاحتجاج السياسي مجددًا بفكرة إسقاط الدولة، بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على ثورة يناير.
ويعيد توقيت الخطاب طرح سؤال أكثر إلحاحًا حول أسباب استدعاء أحداث 2011 و2013 في مناسبة قضائية، بينما تواجه الأسر ضغوطًا اقتصادية متراكمة، وتزداد الانتقادات الموجهة إلى طريقة إدارة الاقتصاد والمجال العام ومؤسسات الدولة.
الأكاديمية تتجاوز حدود التدريب
شهد السيسي حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية، بحضور كبار مسؤولي الحكومة والقوات المسلحة والقضاء، معلنًا تخرج 1350 دارسًا، في مناسبة تحولت سريعًا من الاحتفال إلى عرض لرؤيته لإدارة الدولة.
وأكد السيسي أن الأكاديمية العسكرية أصبحت معبرًا لتولي الوظائف داخل مؤسسات الدولة، محددًا القضاء ووزارة الخارجية وهيئة الرقابة الإدارية ضمن الجهات التي تمر كوادرها بهذا المسار، ومعتبرًا النظام وسيلة لتوحيد معايير الاختيار ومنع المحاباة.
لكن هذا التفسير الرسمي لا يلغي السؤال الدستوري والمؤسسي بشأن سبب إسناد أدوار تتصل باختيار وتأهيل موظفي جهات مدنية وقضائية إلى مؤسسة عسكرية، بدلًا من تطوير أجهزة الاختيار والتدريب داخل المؤسسات المختصة نفسها.
ويتسع الجدل بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بالقضاء، الذي تقوم فلسفة استقلاله على الفصل بين السلطات، بينما يؤدي نقل مراحل من اختيار كوادره أو تدريبهم إلى مؤسسة تتبع البناء العسكري إلى إثارة مخاوف قانونية تتجاوز مسألة الكفاءة.
ويرفض السيسي وصف هذا المسار بأنه عسكرة للدولة، لكنه في الوقت نفسه يقدم الأكاديمية باعتبارها بوابة مشتركة للقضاء والدبلوماسية والرقابة ومؤسسات أخرى، وهي صيغة يراها منتقدون توسعًا فعليًا للدور العسكري داخل الجهاز المدني.
ويقول ناصر أمين، رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، إن إخضاع تعيينات وترقيات القضاة بصورة كاملة للأكاديمية العسكرية، إذا نُفذ وفق التوجهات المتداولة، يمثل تهديدًا مباشرًا لما تبقى من استقلال السلطة القضائية.
ويرى أمين أن القضية لا تتعلق بدورة تدريبية عابرة، بل بحدود العلاقة بين السلطة التنفيذية والقضاء، معتبرًا أن السيطرة على بوابات التعيين والترقية يمكن أن تضرب مبدأ الفصل بين السلطات وتزيد نفوذ السلطة التنفيذية.
وتزداد المفارقة حين يبرر السيسي النظام الجديد بأن المعايير القديمة تعرضت للإهدار والاستباحة، من دون تقديم شرح علني تفصيلي يحدد المسؤولين عن ذلك الإهدار أو كيف ستضمن المؤسسة الجديدة استقلال الاختيار وشفافيته وقابليته للمراجعة.
وبذلك تتحول المسألة من سؤال حول تحسين الإدارة إلى سؤال أشمل بشأن شكل الدولة التي يجري بناؤها، وحدود المؤسسات العسكرية داخلها، ومدى بقاء الوظائف المدنية والقضائية خاضعة لهياكلها الطبيعية وقواعدها المهنية المستقلة.
فزاعة يناير تعود مجددًا
انتقل السيسي من الحديث عن التوظيف والإصلاح المؤسسي إلى التحذير من أن أحداث 2011 حتى 2013 لم تنته، وأن ما وصفه بخطة إسقاط الدولة ما زال قائمًا، مطالبًا الأسر والمواطنين بالبقاء في حالة انتباه.
ولا تكمن أهمية العبارة فقط في مضمونها، وإنما في استمرار استخدامها بعد سنوات طويلة، بما يجعل أحداث يناير حاضرة في خطاب السلطة باعتبارها مصدر تهديد، بدل التعامل معها كحدث تاريخي معقد له أسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية.
ويثير هذا الخطاب تساؤلًا جوهريًا حول الفارق بين حماية الدولة وحماية السياسات القائمة، لأن تحويل الاعتراضات أو احتمالات الغضب الشعبي إلى امتداد لخطة إسقاط الدولة قد يخلط بين الاحتجاج على الحكومة وبين استهداف كيان الدولة نفسه.
كما أن وصف أحداث 2011 في إطار مخطط ممتد يتناقض مع قراءات سياسية تعتبر يناير نتاجًا لتراكم الغضب من الاستبداد والفساد وضعف العدالة الاجتماعية، وليس مجرد عملية خارجية جرى إعدادها لضرب مؤسسات الدولة المصرية.
وقد وصف أستاذ العلوم السياسية مصطفى كامل السيد ثورة يناير سابقًا بأنها انتفاضة أحدثت تغييرات عميقة في النظام السياسي، كما تناولها باعتبارها تعبيرًا عن أزمة داخلية وتطلعات سياسية مصرية، لا مجرد مؤامرة مفروضة من الخارج.
وسبق للسيد أن حذر من أن تضييق المجال العام يدفع المواطنين إلى التفكير في الاحتجاج، معتبرًا أن انكماش المساحة المتاحة للمجتمع والأحزاب والصحافة يحرم السلطة نفسها من معرفة اتجاهات الغضب والاحتقان داخل المجتمع.
وتقدم هذه القراءة تفسيرًا مختلفًا جذريًا عن خطاب المؤامرة، لأنها تربط احتمالات الاحتجاج بأداء المؤسسات والظروف الاقتصادية والسياسية، وتضع المسؤولية على صانع السياسات بدل اختزال غضب المواطنين في مخطط خارجي دائم لا ينتهي.
ولا يعني ذلك إنكار وجود أخطار أمنية أو تدخلات خارجية محتملة، لكنه يطرح ضرورة تقديم أدلة محددة عندما تتحدث السلطة عن خطة مستمرة منذ خمسة عشر عامًا، بدل إبقاء المجتمع أمام تهديد مفتوح بلا أسماء أو وقائع معلنة.
فالدولة التي تطلب من مواطنيها اليقظة تحتاج في المقابل إلى قدر مماثل من الشفافية، لأن استخدام لغة الخطر بصورة متكررة دون معلومات قابلة للفحص قد يحول التحذير الأمني إلى أداة سياسية لتفسير أي توتر داخلي.
الاقتصاد يضغط والخطاب يحذر
يأتي تجدد خطاب الخطر بينما تحمل الموازنة والاقتصاد أعباءً ثقيلة، من خدمة الدين إلى التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، وهي عوامل تجعل تفسير أي احتقان اجتماعي بعيدًا عن الظروف الاقتصادية تفسيرًا ناقصًا للمشهد المصري.
وتواجه الأسر المصرية نتائج متتالية لتحرير سعر الصرف ورفع أسعار الطاقة وتقليص أشكال من الدعم، فيما يؤدي ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والخدمات إلى استنزاف الدخول، خصوصًا لدى الطبقات التي لا تتحرك أجورها بالسرعة نفسها.
ويحذر الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد السياسي عبد النبي عبد المطلب من أن الاعتماد المتزايد على إجراءات مالية مثل بيع الأصول وزيادة الرسوم والضرائب لا يوفر وحده أساسًا مستدامًا لتحقيق معدلات النمو المستهدفة.
ويرى عبد المطلب أن ارتفاع أسعار الوقود وتمرير جانب من التكلفة إلى المستهلك يغذي موجات تضخمية جديدة، بما يضاعف الضغط على القوة الشرائية ويجعل أعباء الإصلاح المالي تنتقل بصورة مباشرة إلى المواطنين.
وهنا يصبح الربط بين المخاوف السياسية والواقع الاقتصادي أمرًا لا يمكن تجاهله، لأن المواطن الذي يواجه ارتفاعًا مستمرًا في تكاليف الغذاء والمواصلات والسكن والتعليم لا يحتاج إلى مخطط خارجي كي يشعر بالغضب من السياسات العامة.
ومع ذلك يركز خطاب السيسي على ضرورة تحصين الشباب من أفكار تخريب الدولة، مقدمًا الوعي الأمني والسياسي باعتباره إحدى وظائف الدورات داخل الأكاديمية، في توسع جديد لدورها يتجاوز التدريب الإداري والمهني للموظفين المدنيين.
ويطرح هذا التوجه سؤالًا حول معنى التحصين المطلوب، وما إذا كان المقصود بناء وعي دستوري ومهني يسمح بالاختلاف والنقد، أم إنتاج تصور سياسي موحد للأحداث الماضية ولعلاقة المواطن بالسلطة وحدود الاعتراض على سياساتها.
فالجهات القضائية والدبلوماسية والرقابية لا تحتاج فقط إلى الانضباط، وإنما إلى استقلال التفكير والقدرة على تطبيق القانون ومساءلة السلطة عند الضرورة، وهي وظائف يصبح أداؤها أكثر حساسية عندما تتداخل مراحل إعداد كوادرها مع مؤسسة عسكرية.
كما يظل غائبًا عن الخطاب تفسير واضح لكيفية منع المحاباة عمليًا داخل النظام الجديد، وما معايير التقييم، ومن يراجع قرارات الاستبعاد، وكيف يستطيع المتقدم التظلم، وما الضمانة التي تمنع تحول البوابة الموحدة نفسها إلى مركز نفوذ جديد.
ولا تقدم عبارة أن الأكاديمية لا تجامل أحدًا بديلًا عن قواعد معلنة للشفافية والمساءلة، لأن المؤسسات لا تُقاس بالنوايا المعلنة وإنما بوجود ضوابط مستقلة تتيح للمواطن معرفة سبب قبوله أو استبعاده والطعن على القرار.
ويكشف الجمع بين توسيع نفوذ الأكاديمية واستدعاء خطر 2011 عن رؤية سياسية تعتبر الانضباط والأمن مركزين أساسيين في إصلاح الدولة، بينما يرى منتقدون أن الإصلاح الحقيقي يحتاج مؤسسات مستقلة ومجالًا عامًا يسمح بمناقشة الأخطاء قبل انفجارها.
وبعد خمسة عشر عامًا من يناير، تبدو المشكلة الأساسية في الخطاب أن السلطة لا تزال تستحضر لحظة الثورة باعتبارها تحذيرًا للمستقبل، بينما تبقى الأسئلة التي صنعت الغضب أصلًا، من العدالة والمساءلة والفرص والكرامة الاقتصادية، حاضرة بأشكال مختلفة.
ويصبح السؤال الأكثر إلحاحًا ليس إن كانت هناك جهات تريد إضعاف مصر، وهو احتمال تواجهه مختلف الدول، وإنما لماذا يبقى المواطن المصري مطالبًا دائمًا بالخوف من السقوط بينما لا تخضع السياسات التي أرهقته للمساءلة نفسها.
ويضع حديث السيسي السلطة أمام تناقض يصعب تجاوزه بالتحذيرات وحدها، فالدولة القوية لا يحميها تحويل الماضي إلى فزاعة دائمة، وإنما مؤسسات مستقلة واقتصاد يوفر حياة محتملة ومجال سياسي يسمح بالغضب قبل أن يتحول إلى انفجار.

