طرح السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، قراءة نقدية للأوضاع المصرية، ربط خلالها بين الانغلاق السياسي وتفاقم الأزمة الاقتصادية، محذرًا من معالجة الإخفاقات على حساب السيادة وحقوق المواطنين.
وفي الحوار، وضع مرزوق الإفراج عن المعتقلين السياسيين في مقدمة خطوات الإصلاح، وأكد رفض المساس بقناة السويس، داعيًا إلى مراجعة اقتصادية جذرية وتحرك دبلوماسي محسوب أمام التحديات الإقليمية المتصاعدة.
الإفراج عن المعتقلين بداية الإصلاح
يرى السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن البداية المطلوبة لتهدئة الشارع تتمثل في الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وفتح حوار حقيقي يستوعب النخب ويعيد الاعتبار للخبرات الوطنية.
وتضع هذه الدعوة السلطة أمام اختبار سياسي واضح؛ فجدية الانفتاح تُقاس بقرارات تعيد الحرية وتسمح بالمشاركة، بينما يفقد الحديث عن الحوار معناه عندما تظل أبواب المجال العام موصدة.
ويحمل تقديم ملف المعتقلين على غيره دلالة أساسية في طرح مرزوق، مفادها أن استعادة الثقة تحتاج خطوة ملموسة، وأن معالجة الاحتقان تبدأ بالاعتراف بضرورة تغيير طريقة التعامل مع الاختلاف.
ومن هذه الزاوية، يصبح الإفراج مدخلًا لاستعادة السياسة بوصفها وسيلة لإدارة الخلاف، وتوسيع مساحة المشاركة في مواجهة الأزمات، بدل إبقاء المجتمع في موقع المتلقي لقرارات تمس حاضره ومستقبله.
كما دعا الدبلوماسي السابق إلى الاستعانة بالخبرات الوطنية الحقيقية، في موقف ينتقد ضمنًا إهدار الكفاءات، ويطرح ضرورة توسيع دائرة المشورة أمام ملفات تتجاوز قدرة أي مجموعة مغلقة على إدارتها.
وتكشف هذه الرؤية خللًا في تصور الإصلاح باعتباره قرارًا إداريًا محدودًا؛ إذ تحتاج مراجعة السياسات إلى أصوات مستقلة تستطيع الاعتراض، وخبراء يمتلكون مساحة لعرض بدائل لا تجامل أصحاب القرار.
وفي الملف الدستوري، عبّر مرزوق عن رفض العبث بالدستور، مضيفًا إلى مطالبه السياسية بُعدًا يتعلق باستقرار القواعد الحاكمة، وضرورة احترامها عند إدارة الخلاف بشأن السلطة ومستقبل الحياة العامة.
وتكمن خطورة التعامل مع القواعد الدستورية باعتبارها قابلة للتطويع المستمر في إضعاف الثقة بالمؤسسات؛ فالمشاركة تحتاج ضمانات مستقرة، ولا تزدهر حين يشعر المواطن بأن القواعد تتغير وفق احتياجات الحكم.
وعليه، يضع هذا المحور معيارًا قاسيًا أمام خطاب الإصلاح الرسمي: هل تتحول الوعود إلى حريات ومشاركة واستفادة من الكفاءات، أم يبقى الحوار عنوانًا واسعًا بلا أثر يلمسه المواطنون؟
قناة السويس ترفض منطق البيع
وصف السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، قناة السويس بأنها «خط دم»، مؤكدًا رفضه دعوات خصخصتها أو نقل إدارتها، ومحذرًا من التبعات التي قد تمس السيادة المصرية.
ويعكس اختياره لهذا التعبير موقفًا يتجاوز الحسابات المالية المباشرة؛ إذ يضع القناة داخل الذاكرة الوطنية ومعادلة السيادة، ويرفض اختزالها في أصل اقتصادي يمكن التعامل معه بمنطق تدبير السيولة.
والتمييز هنا ضروري بين رفضه هذه الدعوات وبين الادعاء بوجود قرار نافذ بشأنها؛ فالموقف المطروح يحذر من مسار محتمل، ويطالب بإغلاق الباب أمام معالجة الأزمات عبر المساس بالمرفق السيادي.
ومن منظور نقدي، تضع هذه التحذيرات إدارة الاقتصاد أمام مسؤوليتها: معالجة اختلالات التمويل تحتاج سياسات قابلة للاستمرار، ولا يصح أن تتحول الضغوط المالية إلى مبرر لإضعاف السيطرة الوطنية.
وفي قراءته للأزمة الاقتصادية، تناول مرزوق الديون وما وصفه بفقاعة الثروة العقارية، داعيًا إلى «عملية جراحية» للاقتصاد، بدل الاستمرار في حلول تخديرية تقليدية تؤجل المواجهة وتترك أسباب التعثر قائمة.
وتعني هذه المقاربة أن تقييم السياسات يجب أن ينطلق من قدرتها على إصلاح الخلل، وليس من نجاحها المؤقت في تخفيف الضغط، بينما تتراكم الالتزامات وتعود الأزمة بصورة أشد.
ويفتح حديثه عن الثروة العقارية سؤالًا بشأن طبيعة الثروة التي يحتاجها الاقتصاد؛ فارتفاع قيمة الأصول لا يكفي وحده لإثبات اتساع الإنتاج، أو تحسن قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
كما طالب بإعلان حالة تقشف حكومي رسمية، واضعًا إنفاق الدولة في صلب المراجعة المطلوبة، ومقدمًا مطلبًا يجعل الحكومة مطالبة بإظهار الجدية في ضبط نفقاتها قبل مطالبة المجتمع بمزيد من التحمل.
ويمنح الجمع بين التقشف الحكومي وحماية القناة طرحه الاقتصادي اتجاهًا واضحًا: تبدأ المراجعة من قرارات السلطة وأولوياتها، وتُحاسب السياسات على نتائجها، مع إبقاء الأصول السيادية خارج دائرة الحلول المتعجلة.
الدبلوماسية تواجه انكشاف الأمن الإقليمي
وفي تناوله الملف الإثيوبي، رأى السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن الدبلوماسية لا تزال تمتلك مسارات للتحرك، مشددًا على أهمية القنوات الخلفية وتجنب التصعيد غير المحسوب.
وجاء حديثه في سياق مناقشة إعلان إثيوبيا بناء سدود جديدة، ليطرح مقاربة تقوم على البحث عن أدوات تأثير وتواصل، بدل اعتبار الخيارات محصورة بين الانتظار المفتوح والمواجهة المتسرعة.
وتحمل هذه الرؤية مساءلة للأداء الدبلوماسي؛ فوجود مسارات للتحرك يستدعي العمل على تفعيلها وتقييم نتائجها، ولا يمنح مبررًا للاكتفاء بتكرار المواقف بينما تستمر التحديات المتعلقة بالمصالح المصرية الأساسية.
وفي المقابل، فإن تحذيره من التصعيد غير المحسوب يربط التحرك بتقدير العواقب، ويجعل حماية المصلحة الوطنية مرتبطة بحسابات دقيقة، بعيدًا عن اندفاع قد يفتح أزمات إضافية يصعب التحكم فيها.
وامتدت قراءته إلى الحرب في غزة ودور الحوثيين والتوترات بين دول الخليج وإيران، معتبرًا أن المنطقة تمر بتحولات جذرية، تستدعي التفكير في نظام أمني إقليمي جديد يتناسب مع طبيعتها.
ويرى مرزوق أن التحالفات التقليدية فقدت فاعليتها، وهو تقييم يضع الرهان على الترتيبات القديمة تحت المساءلة، ويدعو إلى مراجعة الافتراضات التي تستند إليها السياسات الإقليمية في مواجهة المخاطر المتراكمة.
وتشير المقارنة بين محاور حديثه إلى ترابط الداخل والخارج؛ إذ تحتاج مواجهة التحديات الإقليمية إلى اقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات تستفيد من الخبرات، وعلاقة سياسية تسمح بتوسيع المشاركة الوطنية.
وبذلك، تضع مداخلته السلطة أمام مطالب محددة: الإفراج عن المعتقلين، واحترام الدستور، وضبط الإنفاق الحكومي، وحماية قناة السويس، وتنشيط الدبلوماسية؛ وهي مطالب تختبر جدية الإصلاح عبر القرارات والنتائج الفعلية.

