كشفت آلية تنسيق الأعمال المتعلقة بالألغام في سوريا تسجيل 1337 حادثة ناجمة عن الذخائر المتفجرة منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024 ما أدى إلى مقتل وإصابة 2375 شخصًا بينهم أكثر من 850 طفلًا مع ترجيح ارتفاع الحصيلة بسبب ضعف الرصد في المناطق النائية.
تركت حكومة دمشق العائدين إلى المدن والقرى المدمرة أمام حقول مجهولة وذخائر مخبأة داخل المنازل والأراضي الزراعية بينما بقيت إجراءات المسح والتحذير والتطهير أبطأ من حركة العودة ولم تعلن السلطات حتى الآن تقديرًا دقيقًا لمساحة التلوث أو خطة وطنية ممولة لحماية المدنيين.
ضحية كل 6 ساعات
ومنذ مطلع 2026 رصدت منظمة هالو ترست مقتل وإصابة قرابة 700 شخص بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة في أنحاء سوريا وأكدت أن ثلث الحوادث انتهى بوفيات وأن الأطفال شكلوا نحو ثلث الضحايا بما يعادل قتيلًا أو مصابًا واحدًا كل 6 ساعات.
وبحسب مدير برنامج هالو ترست في سوريا سايمون جاكسون فإن المعدل المرتفع يعكس انتشار المتفجرات في مساحات واسعة عاشت سنوات من القصف والمعارك وأوضح أن الأرقام المتاحة لا تشمل بالضرورة جميع الوقائع لأن بعض الحوادث تقع بعيدًا عن المؤسسات الطبية وفرق الرصد.
كذلك أظهرت بيانات آلية التنسيق التي تقودها دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام أن الحوادث المسجلة بعد سقوط النظام السابق خلفت 2375 قتيلًا وجريحًا غير أن المنظمات المشاركة ترجح حصيلة أكبر بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق واسعة وعدم انتظام عمليات الإبلاغ والتوثيق.
وفي يونيو 2026 وضع تقرير أولي لمرصد الألغام والذخائر العنقودية سوريا في صدارة دول العالم من حيث عدد ضحايا الألغام ومخلفات الحرب خلال العام السابق بعدما وثق مقتل وإصابة نحو 1600 شخص في مؤشر يكشف استمرار الحرب داخل الأرض رغم تراجع جبهات القتال.
وعلى امتداد سنوات النزاع زرع نظام الأسد وتنظيم الدولة وفصائل مسلحة متعددة ألغامًا واستخدمت القوات المتقاتلة قذائف وصواريخ وذخائر عنقودية لم ينفجر بعضها عند سقوطه ثم انسحبت تلك الأطراف من مواقع كثيرة من دون تسليم خرائط كاملة تحدد مواضع العبوات والحقول الملوثة.
وفوق ذلك وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 3799 مدنيًا بسبب الألغام والذخائر العنقودية بين مارس 2011 وأبريل 2026 بينهم 1000 طفل وهو سجل يوضح أن الأطفال تحملوا نصيبًا مرتفعًا من نزاع عسكري لم تلتزم أطرافه بحماية السكان.
العودة توسع الخطر
ومع بداية 2025 ارتفعت أعداد الحوادث بصورة حادة بعدما اندفع النازحون إلى بلداتهم وقراهم عقب سقوط الأسد وفق سايمون جاكسون الذي ربط الزيادة بدخول السكان إلى منازل وأراض لم تخضع للمسح وبغياب التحذيرات الكافية عند الطرق المؤدية إلى مناطق العودة.
وفي السياق نفسه وقعت أكثر من 60 في المئة من الحوادث داخل الأراضي الزراعية ومناطق الرعي وهو توزيع يهدد المزارعين والرعاة مباشرة ويحول البحث عن مصدر للدخل إلى مخاطرة يومية لأن كثيرًا من العبوات تختبئ تحت التربة أو بين الأعشاب ومخلفات الأبنية.
وبالتزامن مع عودة الأهالي من المخيمات كشفت مديرة منظمة الإنسانية والإدماج في سوريا دانيلا زيزي أن الألغام والذخائر غطت حقولًا وقرى ومدنًا وهددت نحو 15.4 مليون سوري مؤكدة أن الأسر العائدة تواجه احتمال الإصابة أو الموت بمجرد دخول المنازل أو استصلاح الأرض.
ونتيجة لذلك لم تعد مخلفات الحرب خطرًا أمنيًا منفصلًا عن معيشة السوريين بل أصبحت سببًا مباشرًا لتعطيل الزراعة وإعادة الإعمار وفتح الطرق وتشغيل المدارس لأن أي مشروع خدمي في منطقة ملوثة يحتاج أولًا إلى مسح متخصص لا تملك البلديات موارده أو كوادره.
وفي ريف دمشق دفعت عائلة ملكة بربور ثمن هذا الخطر بعدما جمع أطفالها مواد بلاستيكية وأجسامًا قابلة للاشتعال لاستخدامها في التدفئة من دون أن يعرفوا أن بينها جسمًا متفجرًا انفجر داخل المدفأة وقتل أحمد البالغ 17 عامًا وأصاب شقيقيه حيدر وغيث.
وعقب الانفجار أصيب حيدر البالغ 10 سنوات وغيث البالغ 7 سنوات بينما فارق أحمد الحياة إثر شظية سببت نزيفًا حادًا وقالت والدتهم التي تعمل في الزراعة إن فقدان ابنها حطم الأسرة وجعلها تخشى خروج بقية أطفالها من المنزل في كل مرة.
ولهذا لا يقتصر الخطر على الحقول ومواقع الاشتباكات السابقة لأن السكان ينقلون أحيانًا أجسامًا مجهولة إلى البيوت باعتبارها قطعًا معدنية أو مواد نافعة ثم تنفجر أثناء العبث بها أو حرقها وهو ما يجعل التوعية المنزلية جزءًا أساسيًا من الوقاية لا يقل أهمية عن التطهير.
تطهير لعقود بلا خرائط
ما فرق إزالة الألغام فتعمل بين الركام والحديد والشظايا بأعداد محدودة ومعدات لا تتناسب مع مساحة التلوث بينما تعوق الأبنية المنهارة أجهزة الكشف وتفرض كل قطعة معدنية إنذارًا يحتاج إلى فحص وهو ما يبطئ العمل ويرفع كلفته ويعرض العاملين أنفسهم لخطر دائم.
وفي حي جوبر عند أطراف دمشق أمضت فرق هالو ترست نحو 8 أشهر بين المباني المدمرة لكنها لم تتمكن سوى من تطهير قرابة 200 ألف متر مربع من الطرق وفق مسؤول العمليات في المنطقة الجنوبية حسين قزحلي الذي أوضح حجم الجهد المطلوب داخل الأحياء شديدة الدمار.
ومن جانبه تكشف خبرة حسين قزحلي الميدانية أن إزالة الألغام ليست حملة قصيرة يمكن إنهاؤها بقرارات إدارية لأن الركام الكثيف واتساع المناطق المشبوهة وتعدد أنواع الذخائر يفرضان مسحًا دقيقًا لكل موقع قبل السماح بعودة السكان أو بدء البناء والزراعة داخله.
وبخلاف بطء التنفيذ تواجه الفرق غياب خرائط عدد من حقول الألغام لأن الجهات التي زرعتها لم تسلم سجلات واضحة كما تعتمد عمليات الكشف على بلاغات السكان والخرائط المتاحة والمسح الميداني قبل التعامل مع ألغام مضادة للأفراد وأخرى مضادة للآليات وعبوات بدائية مختلفة.
وعلاوة على غياب الخرائط تعاني المنظمات نقص التمويل والعاملين المدربين وأجهزة الكشف والمركبات المحمية بينما تكتفي حكومة دمشق بإعلان أعداد الذخائر المفككة من دون نشر خريطة وطنية شاملة تحدد المناطق الأعلى خطورة أو جدول زمني ملزم لتأمين طرق العودة ومصادر الرزق.
وبناء على تقديرات سايمون جاكسون تحتاج فرق التطهير إلى 10 سنوات على الأقل حتى مع مضاعفة وتيرة العمل وقد يمتد حل المشكلة إلى 20 أو 30 عامًا قبل أن تستطيع المؤسسات السورية تولي مسؤولية المخاطر المتبقية والتعامل المستمر مع الذخائر التي تظهر أثناء البناء والزراعة.
وفي المقابل لا تملك وزارة الدفاع السورية تقديرًا دقيقًا لمساحة الأراضي المزروعة بالألغام لأن عمليات الكشف اليومية تكشف مواقع جديدة وهو فراغ معلوماتي يضع المدنيين أمام خطر غير مرئي ويمنع المجتمعات المحلية من اتخاذ قرارات آمنة بشأن العودة أو السكن أو استثمار الأراضي.
وأخيرًا تفرض حصيلة 2375 قتيلًا وجريحًا مسؤولية مباشرة على حكومة دمشق لإعلان خريطة خطر وطنية وتمويل فرق التطهير وتوسيع التوعية وتعويض المصابين لأن ترك السوريين يعودون إلى بيوت بلا مسح أو طرق بلا إشارات تحذير يعني استمرار القتل بمتفجرات انتهى مستخدموها وبقي ضحاياها.

