أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت يوم الثلاثاء في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولينا أن واشنطن حصرت إجراءها المقترح في فروع بنك مصر بالإمارات بعد اتهامها بتمرير معاملات تتجاوز 1.8 مليار دولار لشبكات إيرانية مع استبعاد البنك الأم في القاهرة من نطاق القيود.
ربطت الواقعة اسم بنك حكومي مصري بإحدى أكبر حملات الضغط المالي الأمريكية على إيران بينما اكتفى البنك المركزي المصري بالتأكيد أن الإجراء لا يشمل عمليات بنك مصر داخل البلاد من دون نشر نتائج مراجعة مستقلة تشرح كيف مرت الأموال المشتبه بها عبر فروع يملكها بنك تابع للدولة.
معاملات تلاحق البنك
وبحسب وزارة الخزانة الأمريكية رصدت شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية معاملات نفذتها فروع بنك مصر الخمسة في الإمارات لمصلحة 103 شركات يشتبه في عملها ضمن شبكة الظل المصرفية الإيرانية خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 إلى يونيو 2026 بقيمة تقارب 1.8 مليار دولار.
ووفقًا للتقديرات الأمريكية مرت نحو 520 مليون دولار من تلك المعاملات خلال الأشهر الاثني عشر المنتهية في يونيو 2026 بينما بلغت أصول فروع بنك مصر بالإمارات نحو 6 مليارات دولار بنهاية ديسمبر 2025 وهو ما وضع حجم التدفقات المشتبه بها في نطاق يصعب اعتباره نشاطًا هامشيًا.
وتحديدًا قالت الخزانة إن بعض الشركات استخدمت حساباتها لشراء الدولار وتحريك أموال جهات مرتبطة بوزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري وشبكات صرافة خاضعة للعقوبات بينما أكدت أن هذه الاتهامات تستند إلى معلومات مالية غير معلنة وتحليل لحركة المعاملات خلال الفترة المحددة.
وعلى سبيل المثال أورد الإخطار الأمريكي اسم شركة ألبا التجارية المسجلة في الإمارات وقال إن بنك مصر الإمارات نفذ لها معاملات تتجاوز 32 مليون دولار بين عامي 2024 و2025 قبل أن تدرجها واشنطن في سبتمبر 2025 ضمن الجهات المتهمة بمساعدة وسيط مالي إيراني معاقب.
وفي تقييمه للإجراء أوضح خبير الامتثال المالي ميكيلانجلو فريجو أن القرار الأمريكي ما زال مقترحًا وليس قاعدة نهائية لكنه يستهدف أخطر التدابير المتاحة قانونيًا وهو قطع حسابات المراسلة الأمريكية بما يجعل معالجة الأمر كعقوبة نافذة فورًا غير دقيقة قانونيًا رغم خطورة آثاره المصرفية.
استثناء يحمي القاهرة
في المقابل أكد بيسنت أن واشنطن لم تفرض عقوبات شاملة لأنها لم ترد امتداد التدابير إلى بنك مصر الأم موضحًا أن الخزانة استخدمت المادة 311 من قانون مكافحة الإرهاب الأمريكي لاستهداف عمليات الفروع الإماراتية من دون إضافة البنك المصري إلى قائمة تجميد الأصول.
وبالتالي اقترحت شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية منع المؤسسات الأمريكية من فتح حساب مراسلة لبنك مصر الإمارات أو الاحتفاظ به مع إلزامها باتخاذ خطوات معقولة لمنع مرور معاملاته بصورة غير مباشرة عبر حسابات بنوك أجنبية أخرى إذا تحول المقترح إلى قاعدة نهائية نافذة.
لكن الباحث الاقتصادي تيموثي كالداس نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط حذر من أن محاولة فصل فروع الإمارات عن البنك الأم لا تضمن احتواء الأضرار لأن إدارات الامتثال الدولية قد توسع تدقيقها في جميع المعاملات المرتبطة باسم بنك مصر حتى خارج الحدود المحددة أمريكيًا.
وفي الوقت نفسه يحافظ الاستثناء على قدرة المقر الرئيسي في القاهرة وفروع البنك خارج الإمارات على إجراء تعاملات بالدولار ولا يشمل التجميد الفوري للممتلكات غير أن السمعة المصرفية لا تخضع للحدود القانونية نفسها وقد تدفع بنوكًا دولية إلى زيادة الفحص أو تقليص تعاملاتها الاحترازية.
ومع ذلك يظل القرار في مرحلة الاقتراح ويخضع لفترة تعليقات عامة مدتها 30 يومًا تنتهي في 1 أكتوبر 2026 قبل إصدار قاعدة نهائية محتملة وهو فارق تجاهلته عناوين وصفت الخطوة بأنها عقوبات مكتملة رغم أن بنك مصر لم يدرج رسميًا على قائمة الكيانات المحظورة.
رقابة تتحرك متأخرة
وبعد الإعلان قالت إدارة بنك مصر إن فروعها في الإمارات تواصل تقديم الخدمات والوفاء بالتزاماتها وفق القواعد المعمول بها وإنها تراجع الإخطار وتتواصل مع وزارة الخزانة الأمريكية لكنها لم تنشر ردًا تفصيليًا على اتهام الفروع بخدمة 103 شركات أو توضح إجراءات فحص المستفيدين الحقيقيين.
وعقب ذلك أطلق مصرف الإمارات المركزي فحصًا عاجلًا ومتخصصًا يشمل مراجعة معمقة للمعاملات خلال الفترة التي حددتها السلطات الأمريكية مؤكدًا أن البنوك المرخصة مطالبة بعدم تعريض النظام المالي الإماراتي لمخاطر السمعة أو إساءة استخدام بنيته المصرفية في معاملات تخالف القواعد الدولية.
أما البنك المركزي المصري فاكتفى بالتنسيق مع نظيره الإماراتي ووزارة الخارجية والتشديد على أن الإجراء يخص الفروع الإماراتية وعلاقاتها المصرفية بالدولار من دون إعلان تحقيق مصري مستقل أو تحديد المسؤولية الإدارية داخل بنك مملوك للدولة وهو رد لا يجيب عن أصل الاتهامات الأمريكية.
وفي هذا السياق رأى مايكل جاكوبسون الباحث المتخصص في مكافحة تمويل الإرهاب بمعهد واشنطن أن الأداة المستخدمة قوية لكنها محدودة وأنها قد تكون مدمرة لنشاط الفروع المستهدفة إذا أصبحت نهائية بينما تستطيع الشبكات الإيرانية نقل تعاملاتها إلى مؤسسات أخرى ما لم تتبعها حملة أوسع وطويلة.
وبالتوازي فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عقوبات منفصلة على رضا محمد تائيدي مدير فرع بنك ملي الإيراني في دبي وعلى شركة كامينج التجارية في هونج كونج بتهمة تسهيل غسل أموال مرتبطة بشركة صرافة إيرانية معاقبة وهي عقوبات نافذة تختلف قانونيًا عن الإجراء المقترح ضد بنك مصر الإمارات.
وأخيرًا تكشف القضية أن استثناء المقر الرئيسي من العقوبة لا يمحو الأسئلة المتعلقة برقابة الحكومة على بنك تملكه الدولة ولا يبرر صمتها عن تفاصيل معاملات بقيمة 1.8 مليار دولار لأن حماية أموال المودعين وسمعة القطاع المصرفي تتطلب إعلان نتائج التحقيق والمحاسبة بدل الاكتفاء بطمأنة مؤقتة.

