كشف تصريح يوسف الحسيني عن حاجة مصر إلى جيل مختلف من التنفيذيين محاولة إعلامية جديدة لنقل حصيلة 12 عامًا من الإخفاق إلى موظفين اختارهم السيسي وعملوا تحت توجيهاته المباشرة المتكررة.
مصر تحتاج إلى جيل مختلف من التنفيذيين اصحاب الرؤية المستقبلية القابلة للتطبيق،لديهم قدرة على طرح الأفكار البديلة على الصعيد الاقتصادي بشكله الأوسع
— Youssef ALHosseiny (@YAlhosseiny) August 31, 2026
لدينا المئات من الاقتصاديين المسيسين المثقفين
من اصحاب الكفاءة
نحتاج إلى حوار اقتصادي كبير و شامل و صريح و مفتوح
نحتاج لهؤلاء بشدة
ويضع الخطاب الوزراء في قفص الاتهام، بينما يستبعد صاحب القرار الذي كلف رؤساء الحكومات وأصدر تشكيلاتها وحدد أولوياتها، كأن التنفيذيين حكموا منفردين وابتكروا القرارات بعيدًا عن الرئاسة طوال تلك السنوات.
السيسي خارج الحساب
في البداية، دعا الحسيني إلى مسؤولين أصحاب رؤية مستقبلية وحلول بديلة للاقتصاد، لكنه لم يسأل لماذا استمر المسؤولون الحاليون في مواقعهم، ولا من منحهم الثقة وجدد تكليفهم رغم النتائج التي ينتقدها.
وبموجب الدستور، يكلف رئيس الجمهورية رئيس مجلس الوزراء بتشكيل الحكومة، كما تصدر التعيينات والتعديلات بقرارات رئاسية، ولذلك يصعب فصل أداء الوزراء عن سلطة اختارتهم وأبقتهم وحددت الإطار التنفيذي العام لعملهم.
وعند مقارنة التصريح ببيانات مجلس الوزراء، تظهر عبارة تنفيذ توجيهات الرئيس باستمرار في ملفات الاقتصاد والأسعار والاستثمار والمشروعات، بما ينقض تصوير الوزراء باعتبارهم مركزًا مستقلًا للقرار يتحمل وحده نتائج التنفيذ.
وبدوره، يرى أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة أن الحكم المطلق يقود إلى الكارثة، وهي قراءة ترد المسؤولية إلى بنية القرار المركزة، بدل اختزال الأزمة في كفاءة وزير أو تبديل مسؤول بآخر.
كذلك، لا يستطيع الإعلام الإشادة يوميًا بتوجيهات السيسي حين تعلن المشروعات، ثم إنكار مسؤوليته عندما تتراكم الديون وتتراجع الخدمات وترتفع الأسعار، لأن من يحتكر الفضل يتحمل منطقيًا نصيبه الكامل من الفشل.
لذلك، يصبح استدعاء جيل جديد من التنفيذيين اعترافًا ضمنيًا بأن الاختيارات السابقة أخفقت، لكنه اعتراف مبتور يتوقف قبل سؤال ضروري حول معايير الاختيار، ومن راقب الأداء، ولماذا تأخرت الإقالة والمحاسبة.
ومن ثم، لا يتعلق الأمر بأسماء ضعيفة تسللت إلى الحكم رغمًا عن الرئيس، بل بمنظومة منحتهم المناصب وحددت صلاحياتهم وطلبت منهم تنفيذ توجهاتها، ثم تركتهم واجهة جاهزة لاستقبال الغضب الشعبي.
وعلى الجانب الآخر، يتيح تركيز النقد على الوزراء حماية صورة السيسي بوصفه صاحب النيات الحسنة المحاط بتنفيذيين عاجزين، وهي حيلة قديمة تفصل الحاكم عن نتائج قرارات صدرت باسمه وتحت إشرافه.
إعلام يعيد توزيع الفشل
إعلاميًا، يعمل هذا الخطاب بمنطق توزيع الأدوار، إذ يحتفظ الرئيس بالإنجازات الكبرى والتوجيهات الحكيمة، بينما تنسب الأزمات إلى الحكومة والموظفين والظروف الخارجية، من دون ميزان واحد يحدد المسؤولية عن النجاح والإخفاق.
وفي هذا السياق، سبق للحسيني تقديم مشروعات الدولة باعتبارها جهود تطوير وإنجازات رئاسية، لكن حديثه الحالي عن غياب الرؤية لدى التنفيذيين لا يراجع ذلك الخطاب ولا يفسر أين كانت رقابته طوال سنوات.
ووفق خبير الإعلام ياسر عبد العزيز، فإن الإعلام الذي يفسح المجال للرأي المخالف إلى جانب الرواية الرسمية هو القادر على استعادة الثقة، بما يكشف ثمن تحويل الشاشات إلى مساحة للصوت الواحد.
لكن برامج الموالاة لا تفتح عادة نقاشًا متكافئًا حول مسؤولية الرئيس، بل تسمح بنقد محسوب للحكومة عند اشتداد الأزمات، فيظهر المذيع جريئًا من دون الاقتراب من مركز السلطة أو مساءلة خياراته.
وعلاوة على ذلك، تتحول المطالبة بتغيير الوزراء إلى صمام لامتصاص الغضب، لأنها توحي بأن المشكلة فنية قابلة للحل بتبديل الأشخاص، لا نتيجة توجهات مستمرة في الاقتراض والإنفاق وإدارة الأولويات العامة.
ونتيجة لذلك، يصبح المذيع وسيطًا لإعادة تدوير الأمل، فيطلب وجوهًا جديدة وأفكارًا بديلة، بينما يترك النهج الحالي الذي قيّد الوجوه القديمة خارج الفحص، ويحرم الجمهور من تحديد صاحب القرار الأخير.
وهنا، تفقد الرسالة الإعلامية تماسكها، فمن يكرر أن كل مشروع جاء بتوجيهات السيسي لا يملك عند ظهور الخسائر الادعاء بأن التنفيذيين انفردوا بالاختيار، إلا إذا كان يوزع المسؤولية بمعيار دعائي.
وفي المقابل، تؤدي هذه الازدواجية إلى تآكل الثقة، لأن المواطن يرى الأسعار والديون والخدمات في حياته اليومية، ثم يسمع خطابًا يطالبه بتصديق أن الرأس مصيب دائمًا وأن جميع الحلقات تحته مخطئة.
تغيير الوجوه لا النهج
عمليًا، استولى لسيسي على الرئاسة منذ 2014 وتعاقبت خلال عهده حكومات ووزراء ومحافظون ومسؤولون اقتصاديون، لكن الاتجاهات الكبرى بقيت مرتبطة بالرئاسة، من المشروعات العملاقة إلى الاقتراض وتوزيع الإنفاق وإدارة أصول الدولة.
أما أستاذ العلوم السياسية مصطفى كامل السيد فيرى أن الحكومة لا تنوي مراجعة السياسات الاقتصادية المتبعة منذ 2014، وهي ملاحظة تنقل السؤال من أعمار التنفيذيين إلى استمرار الاختيارات نفسها رغم تغير الأشخاص.
وبحسب هذه القراءة، لن يصنع الجيل المختلف نتائج مختلفة إذا تسلم التعليمات ذاتها وعمل داخل الحدود نفسها، لأن الكفاءة لا تعوض غياب الاستقلال، ولا تمنح الوزير قدرة على مراجعة قرار جاء من الأعلى.
وبناء على ذلك، يبدأ الإصلاح الحقيقي بإعلان من يضع الأولويات ومن يوافق على الاقتراض والمشروعات، ثم نشر معايير التقييم والمحاسبة، بدل الاكتفاء بتعديل وزاري يقدم مسؤولين جددًا للواجهة من دون صلاحيات واضحة.
ثم إن تحميل الوزراء وحدهم المسؤولية يمنع مراجعة القرارات الأصلية، ويحول كل تغيير حكومي إلى إعادة ضبط للصورة، بينما تستمر السياسات القديمة ويحصل السيسي مجددًا على فرصة التنصل من نتائجها.
وأخيرًا، لا يحتاج المصريون حملة إعلامية لاختيار كبش فداء جديد، بل يحتاجون مساءلة تبدأ من قمة المنظومة وتمتد إلى كل مسؤول، بحيث تقترن السلطة بالمسؤولية ولا ينفرد أحد بالفضل ويتنصل من الخسائر.
وخلاصة الأمر، أن تصريح الحسيني لا يطالب بتغيير حقيقي ما دام يستبعد السيسي من المعادلة، فبعد 12 عامًا لا يمكن إقناع الناس بأن الرئيس صنع كل إنجاز بينما صنع التنفيذيون وحدهم كل فشل.

