كشفت تقديرات صندوق النقد الدولي أن خدمة الدين الخارجي المصري كانت مرشحة لبلوغ 58,6 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026 المنتهي في يونيو الماضي، وهو رقم يقترب من 59 مليار دولار وليس 59 مليونًا، بما يضع فاتورة الأقساط والفوائد في مقدمة الضغوط التي واجهت موارد النقد الأجنبي المصرية.
وتأتي هذه الفاتورة بينما واصلت حكومة عبد الفتاح السيسي التوسع في الاقتراض وإعادة تمويل الاستحقاقات وبيع أصول عامة لجذب سيولة دولارية، في وقت أظهرت موازنة 2026/2027 تخصيص نحو 2,42 تريليون جنيه للفوائد وحدها مقابل نحو 832,3 مليار جنيه للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية.
ممدوح الولي وفجوة السداد
وبحسب أحدث بيانات البنك المركزي المتاحة، دفعت مصر 15,995 مليار دولار لخدمة الدين الخارجي خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، منها أقساط وفوائد، بينما ارتفع رصيد الدين الخارجي إلى نحو 164,8 مليار دولار بنهاية مارس 2026، ما أبقى احتياجات السداد وإعادة التمويل عند مستويات مرتفعة.
وبالعودة إلى تقديرات الصندوق المنشورة في تقريره عن مصر لعام 2025، فإن رقم 58,6 مليار دولار كان يمثل توقعًا لخدمة الدين الخارجي في 2025/2026، قبل أن تتغير بعض الافتراضات والتدفقات والعمليات التمويلية لاحقًا، لذلك يظل الرقم مؤشرًا على حجم الاستحقاقات أكثر من كونه حصيلة نهائية للسداد الفعلي.
ومن جهته يلفت الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إلى فجوة واضحة بين الديون المطلوب سدادها وما يجري دفعه فعليًا، إذ استند إلى بيانات البنك المركزي ليقول إن استحقاقات عام 2025 اقتربت من 57 مليار دولار بينما بلغ المدفوع الفعلي نحو 33,4 مليار دولار بعد تأجيل جزء من الأقساط.
ويشير الولي كذلك إلى أن سداد عشرات المليارات لا يعني بالضرورة انخفاض رصيد الدين، لأن الحكومة تعود إلى الاقتراض الجديد وإصدار أدوات دين لتغطية استحقاقات سابقة، وقد ارتفع الدين الخارجي خلال عام 2025 رغم المدفوعات الكبيرة، بما يجعل إعادة التمويل جزءًا ثابتًا من إدارة الأزمة وليس حلًا لها.
وتؤكد بيانات وزارة التخطيط المستندة إلى أرقام البنك المركزي أن الدين الخارجي ارتفع إلى 164,776 مليار دولار بنهاية الربع الأول من 2026، بعد أن سجل 163,911 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، وهو ارتفاع جاء رغم استمرار الحكومة في إعلان خطط لخفض الدين الخارجي تدريجيًا.
ومع استمرار هذا المسار، تصبح تكلفة خدمة الدين عبئًا مباشرًا على ميزان المدفوعات لأن الأقساط والفوائد الخارجية تحتاج إلى عملة أجنبية، بينما تعتمد الدولة على السياحة والتحويلات والصادرات وقناة السويس والاستثمارات وتدفقات أدوات الدين لتوفير الدولار، وهو ما يزيد حساسية المالية العامة لأي تراجع في هذه الموارد.
وائل جمال وخطر الأموال الساخنة
أما الخبير الاقتصادي وائل جمال فيحذر من الاعتماد المتزايد على استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية لتوفير سيولة دولارية، وقد ربط تحسن الجنيه خلال فترات سابقة بتدفقات الأموال إلى أذون وسندات الخزانة، لكنه نبه إلى أن الالتزامات المالية الكبيرة يمكن أن تعيد الضغط على الاحتياطيات وسعر الصرف.
ويكتسب تحذير جمال أهمية إضافية لأن الأموال الداخلة إلى أدوات الدين تبحث أساسًا عن العائد المرتفع ويمكن أن تتحرك سريعًا عند تغير الفائدة أو المخاطر، بينما تتحمل الموازنة تكلفة الفوائد المرتفعة بالعملة المحلية وتواجه الدولة في الوقت نفسه أثر خروج المستثمرين الأجانب على الطلب على الدولار واستقرار سوق الصرف.
وخلال يوليو 2026 وافق صندوق النقد على صرف نحو 1,8 مليار دولار جديدة لمصر بعد استكمال المراجعة السابعة، ليرتفع إجمالي ما جرى صرفه في إطار برنامجي التسهيل الممدد والصلابة والاستدامة إلى نحو 7,3 مليار دولار، بالتوازي مع تحذيره من ارتفاع احتياجات إعادة التمويل ومخاطر تجديد الديون.
ومن ناحية أخرى يكرر صندوق النقد مطالبته بسياسات مالية مشددة وفائض أولي مرتفع وخفض دور الدولة وتسريع برنامج بيع الأصول، وهي سياسات تربط استمرار التمويل بإجراءات داخلية تمس بنود الإنفاق والاستثمار العام، بينما يظل أصل المشكلة قائمًا مع احتياج الحكومة إلى الاقتراض لسداد التزامات قائمة وتمويل العجز.
ولذلك لا تنفصل أزمة خدمة الدين عن نموذج التمويل الذي اتبعته السلطة خلال السنوات الماضية، إذ توسعت الحكومة في المشروعات الممولة بالاقتراض وفي الإصدارات الدولية والقروض متعددة الأطراف، ثم لجأت إلى صفقات بيع أصول وحقوق تطوير لجذب العملة الأجنبية، من دون أن يؤدي ذلك إلى إنهاء دورة الاقتراض وإعادة التمويل.
أسعار الفائدة وفاتورة خدمة الدين
وتضع الباحثة الاقتصادية سلمى حسين عبء الفوائد في قلب أزمة توزيع الموازنة، إذ سبق أن حذرت من أن زيادة أسعار الفائدة ترفع فاتورة خدمة الدين وتقتطع من الإنفاق الاجتماعي، وهو ما يظهر بصورة أوضح في موازنة 2026/2027 التي تخصص للفوائد أضعاف ما تخصصه للأجور أو الحماية الاجتماعية.
وعلى مستوى الموازنة الجديدة، تكشف الأرقام الرسمية أن فوائد الدين البالغة نحو 2,42 تريليون جنيه تقترب من ثلاثة أمثال مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، كما تتجاوز بنحو ثلاثة أمثال مخصصات الأجور المقدرة بنحو 822,8 مليار جنيه، وهو توزيع يعكس الوزن الثقيل للدائنين داخل الإنفاق العام.
كما تكشف المقارنة بين بنود الموازنة أن الحكومة تراهن على تحقيق فائض أولي يعادل 5% من الناتج المحلي خلال العام المالي الحالي، وهو فائض يتحقق قبل حساب الفوائد، ما يعني أن جانبًا معتبرًا من الموارد التي تجمعها الدولة من الضرائب والإيرادات يظل موجهًا بعد ذلك لتغطية تكلفة الديون المتراكمة.
وبذلك تتحول خدمة الدين من بند مالي إلى قيد مباشر على قدرة الدولة على توسيع الإنفاق على الصحة والتعليم والدعم والأجور والاستثمار العام، لأن الحكومة مطالبة أولًا بتوفير السيولة اللازمة للدائنين، بينما يدفع المواطن تكلفة الضبط المالي من خلال الضرائب والأسعار وتراجع القيمة الحقيقية للخدمات والدخول.
وأخيرًا تكشف أرقام صندوق النقد والبنك المركزي والموازنة أن أزمة الدين المصري لا تقاس برقم 58,6 مليار دولار وحده، بل بمسار كامل جعل الاقتراض وسيلة لسداد اقتراض سابق وجعل الفوائد أكبر من معظم بنود الإنفاق الاجتماعي، فيما تواصل الحكومة تحميل الموازنة والمواطن كلفة قرارات تراكمت طوال سنوات.

