عدنان عبد الرزاق
صحافي سوري، مراسل "العربي الجديد" في تركيا
لم تعد الرياضة، بقطاعاتها الكثيرة، مجرد متعة وترفيه وجذب للجماهير، أو حتى مجالًا قصديًا رحبًا لـ"تنفيس" الشعوب وإشغالها لإبعادها عن السياسة وأوضاعها المعيشية، بل باتت الرياضة، وكرة القدم على نحو خاص، تُرسَّخ صناعة اقتصادية وتجارة تُدار بأسلوب الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، تستثمر باللاعبين وتهافت الجماهير، وصفقات شراء الأندية والتعاقد مع المدربين، وتتاجر ببطاقات دخول الملاعب والبث التلفزيوني وقمصان اللاعبين المشاهير وحصرية ظهورهم وتصريحاتهم.
وإن كان هذا السبق الملتبس متعدد الأوجه يُنسب إلى الولايات المتحدة خلال استضافتها بطولة كأس العالم عام 1994، حين رسَّخت مفاهيم التجارة في كرة القدم وأدخلت النموذج الأميركي التجاري وطبّقت عقود الرعاية الشاملة والعروض الفنية والترفيهية المصاحبة للمباريات، فإن العدوى انتقلت إلى الدول والأندية والاستحقاقات الرياضية، لتبلغ ذروتها الاستثمارية، أيضًا في الولايات المتحدة، خلال مونديال عام 2026.
ووصل هذا النهج الاستثماري إلى تركيا منذ سنوات، لكنه اقتصر على أندية إسطنبول الكبرى، كبشكتاش وفنربخشة، في تحرّك ذي رؤية بعيدة يهدف إلى تعزيز العلامة التجارية للفرق الرياضية الكبرى. غير أن فريق طرابزون جاء اليوم، عبر التعاقد مع النجم المصري العالمي محمد صلاح، لينافس الفرق الكبرى ويضع طرابزون، "لؤلؤة البحر الأسود"، تحت الضوء بعد أن رفع من علامته التجارية.
وقصارى القول: انتظر الأتراك طويلًا انضمام النجم المصري إلى فريق بشكتاش، وتابعوا بشغف المفاوضات وتعثرها وخلافات الصفقة حول عمولة وكيل أعمال صلاح، رامي عباس عيسى، بعد أن تدخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لدى رئيس النادي لتسوية الخلاف. لكن فريق "طرابزون سبور" دخل فجأة وبقوة على خط التفاوض، وفاز بجذب صلاح قبل أن يُعقد المؤتمر الصحافي المرتقب لانضمامه إلى بشكتاش وإعلان عقده السنوي البالغ عشرة ملايين يورو، إلى جانب نسبة الوكيل وميزات أخرى تتعلق ببيع القميص والإعلانات.
ولنستشرف سريعًا بعضًا مما يمكن أن نراه ونشهده لاحقًا من آثار الرياضة على الاقتصاد، من رحلات جوية مباشرة بين القاهرة وطرابزون، إلى ملامح تبدّل السياحة في ولاية تركية تجمع بين المعالم التاريخية والطبيعة الجاذبة، ما يرشحها، بعد تسليط الضوء الإقليمي وربما العالمي عليها إثر صفقة صلاح، لتكون إحدى أبرز وجهات السياحة في تركيا.
فاليوم، وبعد الضجة ومحاولات أندية تركية عدة كسب صلاح ضمن صفوفها، لن يستمر تغييب "دير سوميلا"، أيقونة طرابزون التاريخية المعروفة، ولن تبقى بحيرة "أوزنجول" التي تعانق الغيوم ضمن الخطة "ب" للسياح، ولا حتى قصر أتاتورك "كوستاكي" أو "كهف تشال"، وهي معالم مؤجَّلة الزيارة لولاية تتمتع بكل ما يطلبه السياح.
والأرجح أن وجود النجم المصري في "طرابزون سبور"، الذي رفع من العلامة التجارية للنادي، لن ينعكس على السياحة فقط، فهذه الولاية المنتجة للفواكه، كاليوسفي والتوت والكمثرى، والمتخصصة في الزراعات العطرية، كالخزامى والزيزفون، باتت اليوم تحت الضوء الاستثماري، الصناعي والزراعي والعقاري، وهي بطبيعة الحال متصدرة قائمة الاستثمار العقاري للأجانب خلال السنوات الخمس الأخيرة.
وختامًا: ثمة واقع حوّل الرياضة إلى تجارة فرض نفسه وترسَّخ منذ عقود، بصرف النظر عن الآراء الخاصة أو المخاوف المشروعة من سلعنة الرياضة وتحويل نجومها إلى أدوات إعلانية. فحين نعلم أن أرباح الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" من مونديال هذا العام زادت عن نسخة قطر عام 2022 التي بلغت 7.6 مليارات دولار.
وسعر تذكرة حضور المباراة النهائية في ملعب نيوجيرسي، في الفئة الممتازة، زاد عن 32 ألف دولار، وأن ثمن الإعلان لمدة 30 ثانية زاد عن 300 ألف دولار، وأن حمّى قمصان الأندية وأرقام اللاعبين المشاهير باتت من أزياء الشارع اليومية للشباب والنساء، نُدرك عندها دور وأهمية الرقم 11 الذي يحمله قميص محمد صلاح ويتمسك به وكيل أعماله.
ومن هنا يمكن أن نبرر دفع نادي طرابزون 17 مليون يورو، موزعة على 10 ملايين يورو أجرًا سنويًا، و7 ملايين يورو مكافأة توقيع، ونسبة 20 % من عائدات مبيعات المنتجات والقمصان التي تحمل اسمه، إلى جانب مكافآت مشروطة كل موسم قد يتعلق بعضها بعدد الأهداف والألقاب.
فالقصة إذن ليست نجومية ومهارة وهدافية فقط، بل علامة تجارية جديدة للنادي، وضوء مسلَّط على الولاية، وعامل جذب سياحي واستثماري قد يبدّل موقع ولاية طرابزون على الخريطة التركية، وهو ما يبرر للنادي عناء التفاوض ودفع المال، ويبرر لتركيا، بوصفها دولة تتطلع إلى السياحة والاستثمار، التبني والوساطة وتحمّل جزء من مصاريف استقطاب القاطرة محمد صلاح.

