عقب المجزرة التي ارتكبتها قوات الانقلاب في صفوف المعتصمين بميداني "رابعة العدوية" و"النهضة" في 14 أغسطس 2013، تحولت الأنظار صوب مسجد الإيمان الذي امتلأ بجثث مئات الشهداء الذين ارتقوا خلال المجزرة.
وتحول المسجد الواقع في شارع مكرم عبيد بمدينة نصر مؤقتًا إلى مشرحة ومستشفى ميداني بديل بعد إحراق المستشفى الميداني الرئيس داخل اعتصام رابعة وهدم المنصة، مما دفع لأهالي والمسعفين إلى نقل مئات الجثث والمصابين إليه كملجأ أخير.
تكدس أرضية المسجد بجثامين الضحايا
وأصبح المسجد شاهدًا على واحدة من أفظع الجرائم الإنسانية التي شهدها العصر الحديث، حيث وثقت منظمات حقوقية ووسائل إعلام محلية ودولية تكدس أرضية المسجد بالكامل بجثامين الضحايا، التي وضعت في قوالب ثلجية لمنع تحللها، وكتب المتطوعون أسماء الضحايا وبياناتهم بـ "الحبر" على الأكفان.
واستقبل المسجد النسبة الأكبر من الضحايا المجمعين في مكان واحد خارج مشرحة زينهم، وأفاد أطباء متطوعون بأن الغالبية العظمى من الجثامين التي نُقلت إليهم كانت مصابة بطلقات نارية مباشرة ونفاذة في الرأس، والعنق، والصدر، بالإضافة إلى وجود جثث متفحمة بالكامل نُقلت من الخيام المحترقة.
وقال الأطباء إنهم اضطروا آنذاك لإجراء إسعافات أولية وعمليات جراحية بدائية للغاية على سجاد المسجد دون تعقيم وبأدوات بسيطة لإنقاذ المصابين، بعد أن امتدت النيران إلى المستشفى الميداني الرئيس في رابعة.
في الوقت الذي أطلق فيه متطوعون نداءات استغاثة عبر مكبرات صوت المسجد ومواقع التواصل الاجتماعي لتوفير كميات من الثلج، بسبب الارتفاع الشديد في درجات الحرارة وتأخر صدور تصاريح الدفن، مما هدد بتحلل الجثامين
سبب الوفاة "الانتحار"!
وحدثت أزمة حادة بين أهالي الضحايا والأطباء الشرعيين وممثلي النيابة العامة الذين عاينوا الجثث في المسجد، إذ رفض الأهالي استلام تصاريح الدفن التي اشترطت إقرارًا بأن سبب الوفاة هو "الانتحار" أو أن الوفاة حدثت "خارج سياق الفض والاشتباكات".
وأكدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها الشهير "حسب الخطة" الصادر في عام 2014، أن سلطات الانقلاب مارست ضغوطًا على الأهالي في مسجد الإيمان للتوقيع على شهادات وفاة تُعفي قوات الأمن من المسؤولية الجنائية مقابل السماح لهم بدفن ذويهم.
وأفاد العديد من الأهالي في شهاداتهم لمنظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" بأن موظفي الصحة والطب الشرعي الذين حضروا إلى المسجد رفضوا منحهم تصاريح الدفن إلا بشرط التوقيع على إقرارات تفيد بأن الوفاة كانت نتيجة "الانتحار" أو "أسباب مجهولة"، أو أنهم عثروا على الجثة في الشارع خارج محيط الاشتباكات، وهو ما رفضه قطاع واسع من الأهالي حفاظًا على حقوقهم القانونية.
في نفس التوقيت الآن، نهاية يوم المذبحة، تجمع الناس في مسجد الايمان المجاور لميدان #رابعة. استقبل المسجد نحو 310 من جثامين الشهداء. صباح اليوم التالي حاصرت الشرطة المسجد واطلقت قنابل الغاز داخله وأمرت الشرطة أهالي الشهداء بالمغادرة، وقالت لهم "هندفنهم بمعرفتنا". #وما_كان_ربك_نسيا pic.twitter.com/0XKWcV1qG9
— المجلس الثوري المصري (@ERC_egy) August 14, 2024
أصوات الصراخ تختلط مع روائح الدماء
واضطرت العديد من أسر الضحايا لرفع الأغطية عن وجوه المشوهين والمتفحمين للتعرف على ذويهم. وهيمنت أجواء الخوف والصدمة على المتواجدين، حيث تداخلت أصوات البكاء وصراخ العائلات مع أصوات التكبير، وانتشار روائح الدماء والتحلل في أرجاء المكان مع مرور الساعات.
ووصف مراسلو وكالات أنباء دولية (مثل رويترز والفرنسية) مشهد قيام المتطوعين بكتابة أرقام متسلسلة وأسماء الضحايا (إذا كانت هوياتهم معروفة) باستخدام أقلام "الفلوماستر" والحبر الجاف مباشرة على الأكفان وقوالب الثلج لضمان عدم اختلاط الجثث.
وفي صباح يوم 15 أغسطس 2013 (اليوم التالي للفض)، اقتحمت قوات الأمن المركزي والجيش محيط المسجد، وأطلقت الغاز المسيل للدموع لإخلائه من الأهالي والصحفيين.
ونقلت الجثامين المتبقية والتي لم يتعرف عليها أحد عبر سيارات الإسعاف إلى مشرحة زينهم تحت حراسة مشددة.

