تحل في 16 أغسطس 2026 الذكرى الثالثة عشرة لأحداث ميدان رمسيس ومسجد الفتح، التي اندلعت بعد يومين من فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وتحولت خلالها مسيرات معارضة إلى مواجهات دامية وحصار طويل، خلّفا أكثر من 45 شهيدًا ومئات المعتقلين.

 

شاهد من هنا: الأمن المصري يقتحم مسجد الفتح برمسيس

 

وبينما صدرت أحكام بالسجن والمؤبد بحق مئات المشاركين والمحاصرين داخل المسجد، بقيت الاتهامات الحقوقية الموجهة إلى قوات الأمن باستخدام القوة المفرطة بعيدة عن المحاسبة، في مشهد يعكس عدالة لاحقت المحتجين وتركت المسؤولين عن إطلاق النار خارج قاعات الاتهام.

 

مسيرة انتهت بمجزرة

 

بدأت الأحداث عقب صلاة الجمعة في 16 أغسطس 2013، عندما خرجت مسيرات في القاهرة للتنديد بفض اعتصامي رابعة والنهضة، الذي أسفر قبلها بيومين عن مقتل مئات المحتجين وسط إدانات حقوقية محلية ودولية واسعة.

 

وتتفاوت تقديرات قتلى فض رابعة بصورة كبيرة، إذ أعلنت جهات رسمية حصيلة أقل من الأرقام التي قدمتها جماعة الإخوان ومنظمات معارضة، بينما وثقت هيومن رايتس ووتش مقتل 817 شخصًا على الأقل، ورجحت أن العدد تجاوز ألف قتيل.

 

وتجمع المتظاهرون في ميدان رمسيس ومحيط مسجد الفتح، قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهات استخدمت خلالها قوات الأمن الرصاص والغاز المسيل للدموع، وسط انتشار مدرعات الشرطة وتحليق مروحيات فوق الميدان، وفق شهادات ومقاطع مصورة متداولة.

 

ومع تصاعد إطلاق النار، لجأ عدد من المتظاهرين والمصابين إلى مسجد الفتح، الذي تحول تدريجيًا إلى مستشفى ميداني بدائي، وافترشت جثامين الضحايا أرضه مغطاة بالأقمشة البيضاء، بينما حاول المحاصرون إسعاف الجرحى بإمكانات محدودة.

 

وخارج المسجد، شهد ميدان رمسيس وكوبري 6 أكتوبر عمليات كر وفر استمرت لساعات، واضطر بعض المشاركين إلى القفز من أعلى أجزاء الكوبري أو الاحتماء بحواجزه هربًا من الرصاص والغاز والملاحقات الأمنية.

 

وتؤكد المصادر الحقوقية والمعارضة سقوط أكثر من 45 شهيدًا خلال أحداث رمسيس ومسجد الفتح، بينما قدمت مصادر أخرى حصائل أعلى، في ظل غياب تحقيق مستقل يحسم عدد الضحايا ويوثق ظروف مقتل كل منهم.

 

ولا يلغي تفاوت الأرقام حقيقة أن منطقة مكتظة بالسكان تحولت إلى ميدان قتال، لكنه يكشف غياب تحقيق مستقل استطاع تحديد مواقع سقوط الضحايا ونوع الذخائر المستخدمة والجهات المسؤولة عن إطلاقها.

 

حصار داخل بيت الله

 

استمر حصار مسجد الفتح حتى صباح اليوم التالي، وسط نداءات استغاثة أطلقها المحاصرون، وشهادات تحدثت عن إلقاء الغاز والدخان باتجاه المسجد ومحاولات اقتحامه، بالتزامن مع وجود مجموعات مدنية معادية للمتظاهرين خارج أبوابه.

 

وخلال ساعات الحصار، عاش الموجودون داخل المسجد حالة من الخوف والجوع والإجهاد، بينما بقي المصابون دون رعاية طبية كافية، وتحولت المآذن والقاعات والممرات إلى نقاط احتماء وانتظار في ظل تعذر الخروج الآمن.

 

وعند بدء خروج المحاصرين، انتشرت مشاهد الاعتداء على بعضهم ومحاولة مجموعات مدنية الوصول إليهم، في وقت أحاطت قوات الأمن بالمسجد واعتقلت أعدادًا كبيرة ممن خرجوا منه أو ضُبطوا في محيط الميدان.

 

وبحسب تقارير حقوقية، لم تقتصر الاعتقالات على المشاركين في المواجهات، بل طالت أشخاصًا احتموا بالمسجد وآخرين تصادف وجودهم في المنطقة، وسط انتقادات لغياب التحقيق الفردي الجاد في أدوار المقبوض عليهم.

 

ومن بين الحالات التي أثارتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حالة بدر محمد عبد الله، الذي كان يبلغ 17 عامًا وقت اعتقاله، وقالت أسرته ودفاعه إنه كان في منطقة الفجالة لشراء مستلزمات دراسية قبل القبض عليه.

 

وأصبح المسجد، الذي قصده المتظاهرون باعتباره ملاذًا من المواجهات، نقطة انطلاق واحدة من أكبر قضايا المحاكمات الجماعية التي أعقبت صيف 2013، بعدما أُحيل نحو 494 متهمًا إلى القضاء بتهم متعددة.

 

وشملت الاتهامات القتل العمد والشروع في القتل والتجمهر والبلطجة والتخريب ومقاومة السلطات، بينما اعترضت منظمات حقوقية على توجيه اتهامات جماعية لمئات الأشخاص دون تقديم أدلة فردية واضحة تثبت مسؤولية كل متهم عن فعل محدد.

 

أحكام تطارد الضحايا

 

في سبتمبر 2017، أصدرت محكمة جنايات القاهرة أحكامًا بالمؤبد على 43 متهمًا، بينهم 22 حضوريًا و21 غيابيًا، كما قضت بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا على 17 متهمًا حضوريًا.

 

وشملت الأحكام السجن 10 سنوات لـ54 متهمًا حضوريًا و13 غيابيًا، إلى جانب الحكم غيابيًا بالعقوبة نفسها على 88 آخرين، والسجن 5 سنوات لمئات المتهمين، مع وضع عدد من المحكوم عليهم تحت مراقبة الشرطة.

 

كما قضت المحكمة ببراءة 52 متهمًا، فيما أصبحت أحكام إدانة 312 شخصًا نهائية بعد رفض محكمة النقض طعونهم عام 2019، قبل أن تستمر طعون ومحاكمات مرتبطة ببعض المتهمين خلال السنوات التالية.

 

وفي مارس 2022، رفضت محكمة النقض طعون 37 متهمًا وأيدت أحكام المؤبد والسجن المشدد بحقهم، بينما بقيت بعض الحالات الفردية محل إعادة محاكمة أو طعون منفصلة بسبب اختلاف أوضاع المتهمين القانونية وأعمارهم وقت الأحداث.

 

وتقول منظمات حقوقية إن القضية جسدت خللًا جوهريًا في مسار العدالة، إذ خضع مئات المعارضين لمحاكمات وأحكام قاسية، بينما لم تفض التحقيقات إلى مساءلة متناسبة بشأن قتل المحتجين أو إطلاق النار أو حصار المسجد.

 

وكانت هيومن رايتس ووتش قد خلصت، في تحقيقها الأوسع بشأن عمليات القتل الجماعي خلال صيف 2013، إلى أن قوات الأمن استخدمت القوة المميتة بصورة واسعة، وطالبت بالتحقيق مع مسؤولين أمنيين وسياسيين عن الانتهاكات.

 

وبعد 13 عامًا، لا تزال أحداث مسجد الفتح حاضرة بوصفها امتدادًا مباشرًا لفض رابعة والنهضة، ودليلًا على انتقال السلطة من تفريق الاحتجاجات بالقوة إلى ملاحقة الناجين منها بأحكام السجن الطويلة.

 

ولا تتطلب العدالة إعادة سرد الدماء وحدها، بل فتح تحقيق مستقل في أوامر إطلاق النار، وحصر القتلى والمصابين، ومراجعة المحاكمات الجماعية، والإفراج عن كل من لم تثبت مسؤوليته الفردية عن جريمة وفق إجراءات قضائية عادلة.

 

وتبقى المفارقة الأكثر قسوة أن كثيرًا ممن احتموا بالمسجد أو خرجوا منه مكبلين وجدوا أنفسهم متهمين بقتل ضحايا اليوم نفسه، بينما ظل السؤال عن الجهة التي أطلقت الرصاص وحولت المسجد إلى مشرحة مؤقتة بلا إجابة قضائية حاسمة.