أطلق حراك شبابي تونسي عريضة وطنية لإنقاذ الجمهورية، طالب فيها بسحب الثقة من الرئيس قيس سعيّد واستقالته السلمية، والدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، معتبرًا أن البلاد تمر بأزمة عميقة نتيجة احتكار السلطة وتراجع أداء مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
جاءت المبادرة الجديدة في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى إدارة سعيّد للبلاد منذ إجراءات 25 يوليو 2021، حيث ترى قوى معارضة أن تركيز الصلاحيات بيد مؤسسة الرئاسة أدى إلى تراجع دور المؤسسات المنتخبة وتضييق المجال العام، بينما تؤكد السلطة أن خطواتها جاءت لإنقاذ الدولة من الانهيار.
وقالت العريضة إن الرئيس التونسي أهدر فرصة تاريخية لإجراء إصلاحات واسعة ومواجهة منظومات الفساد، معتبرة أن السنوات الماضية شهدت تراجعًا في أداء مؤسسات الدولة وتدهورًا في الخدمات العامة، مع استمرار حالة الاحتقان بين شرائح واسعة من المجتمع.
وأضاف منظمو العريضة أن إدارة البلاد بخطاب يقوم على المؤامرة وتبرير الإخفاقات لم تقدم حلولًا حقيقية للأزمات التي يعيشها المواطنون، منتقدين ما وصفوه بإغلاق أبواب الحوار العام وتقييد دور المجتمع المدني والعمل النقابي.
كما طالبت المبادرة بفتح المجال أمام الشباب والكفاءات الوطنية للمشاركة في إدارة المرحلة المقبلة، مؤكدة أن الخروج من الأزمة لا يكون بالفوضى أو باستبدال حكم فردي بآخر، وإنما بالعودة إلى مؤسسات الدولة وصندوق الاقتراع.
وتداول ناشطون تونسيون نص العريضة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها لم تحصل على تأييد كامل من أطراف المعارضة التي رحبت بفكرة التغيير لكنها تحفظت على بعض البنود المتعلقة بالانتخابات المبكرة والمسار الدستوري.
ويرى مراقبون أن المبادرة تعكس محاولة من جيل جديد للتعبير عن رفضه للوضع القائم، لكنها تواجه تحديات تتعلق بتوحيد القوى المعارضة ووضع تصور واضح للمرحلة الانتقالية في حال حدوث تغيير سياسي.
العريضة ومسار التغيير
كما اعتبر الوزير السابق كمال الجندوبي أن المبادرة تحمل أهمية كبيرة لأنها تعبر عن رفض استمرار تركيز السلطات وإضعاف المؤسسات والتراجع في مجال الحريات، لكنه أبدى تحفظه على صياغتها الحالية وبعض مطالبها الإجرائية.
وأوضح الجندوبي أن الدعوة إلى انتخابات مبكرة تحتاج إلى توضيح أكبر، خاصة مع وجود اختلاف بين الحديث عن انتخابات رئاسية وتشريعية وبين الاقتصار في المطالب النهائية على انتخابات رئاسية فقط.
ومن ثم، فإن أحد أبرز التحديات التي تواجه أصحاب العريضة يتعلق بالجانب القانوني والدستوري، إذ إن المطالبة برحيل الرئيس تظل موقفًا سياسيًا يحتاج إلى مسار مؤسساتي واضح حتى يتحول إلى واقع عملي.
كما حذر الجندوبي من أن إجراء انتخابات مبكرة في ظل ضعف المؤسسات والاستقطاب الحاد قد يؤدي إلى ظهور شخصيات جديدة تقدم وعودًا سهلة وحلولًا سريعة دون امتلاك برامج حقيقية لإدارة الدولة.
غير أن هذا التحذير لا يلغي وجود حالة غضب شعبي متزايدة لدى قطاعات ترى أن استمرار الوضع الحالي يفاقم الأزمات ويؤخر أي إمكانية لإعادة بناء المؤسسات على أسس أكثر استقرارًا.
ويؤكد أنصار العريضة أن هدفهم الأساسي ليس الدخول في حالة فوضى، بل إعادة القرار إلى الناخبين وإنهاء حالة الجمود التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
مواقف المعارضة وتحفظاتها
كما أعلن الباحث والناشط السياسي حامد الماطري دعمه للعريضة رغم اختلافه مع بعض النقاط المتعلقة بآليات التغيير، معتبرًا أن إنهاء الوضع الحالي يتطلب كسر خطاب أن السلطة تحظى بإجماع شعبي.
وأشار الماطري إلى أن الرئيس لن يغادر الحكم بسبب عريضة أو احتجاج فقط، لكن أهمية الخطوة تكمن في إظهار حجم الاعتراض الشعبي على سياسات السلطة الحالية.
وبالتالي، فإن بعض قوى المعارضة ترى أن قيمة المبادرة تكمن في بعدها الرمزي وقدرتها على جمع أصوات مختلفة حول رفض استمرار المسار الحالي، حتى مع استمرار الخلافات بشأن البدائل المطروحة.
كما انتقد وسام الصغير، الناطق باسم الحزب الجمهوري، ما وصفه بالانقسام بين من يدافع عن القانون والحرية ومن يساند السلطة بحثًا عن مصالح خاصة، معتبرًا أن المرحلة الحالية ستظل علامة فارقة في تاريخ تونس.
ولم يعلن الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي هشام العجبوني موقفًا مباشرًا من العريضة، لكنه سبق أن طالب بالمحاسبة وسحب الثقة من الرئيس، معتبرًا أن جمع السلطات أدى إلى نتائج سلبية على البلاد.
ومن ناحية أخرى، يرى بعض المعارضين أن أي خطوة مقبلة يجب أن تراعي خطر الفراغ المؤسساتي، وأن تكون هناك خطة واضحة تمنع تكرار التجارب السابقة التي أدت إلى أزمات جديدة.
أزمة الحكم ومستقبل تونس
علاوة على ذلك، أعادت العريضة النقاش حول مستقبل النظام السياسي في تونس، بعد سنوات من التحولات التي بدأت مع تجميد البرلمان ثم حله وإقرار دستور جديد عبر استفتاء.
وبناءً على ذلك، أصبحت مسألة التوازن بين الاستقرار السياسي وضمان الحقوق والحريات محورًا رئيسيًا في الجدل الدائر بين السلطة والمعارضة.
كما أن استمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية يزيد من الضغوط على جميع الأطراف، إذ يطالب المواطنون بحلول ملموسة تتعلق بالأسعار وفرص العمل والخدمات بعيدًا عن الصراعات السياسية.
لذلك، فإن نجاح أي مبادرة تغيير مستقبلية سيعتمد على قدرتها على تقديم برنامج واضح يتجاوز مجرد الاعتراض على السلطة الحالية، ويطرح تصورًا لإدارة الدولة وإصلاح مؤسساتها.
ومن ثم، تبقى العريضة الشبابية اختبارًا جديدًا لقدرة المعارضة والمجتمع المدني على تنظيم الضغط الشعبي وتحويل حالة الغضب إلى مشروع سياسي قادر على المنافسة.
غير أن مستقبل تونس سيظل مرتبطًا بمدى استعداد مختلف الأطراف للبحث عن حلول توافقية تضمن احترام إرادة المواطنين وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار الدولة ومؤسساتها.

