أعلنت عائلات معتقلين سياسيين تدشين كيان قانوني جديد يحمل اسم «رابطة أهالي المعتقلين المصريين – فدا»، بهدف تمثيل أسر المعتقلين والتعبير عن مطالبهم أمام الجهات والمؤسسات المعنية داخل مصر وخارجها، إلى جانب حشد التضامن مع المعتقلين وأسرهم، وإعادة ملف السجناء السياسيين إلى دائرة الاهتمام المحلي والدولي.
ويأتي إطلاق الرابطة في ظل استمرار الجدل بشأن أوضاع السجون ومطالب حقوقية متكررة بالإفراج عن سجناء على خلفية قضايا سياسية، وضمان حصول المحتجزين على حقوقهم القانونية والإنسانية، فضلا عن دعوات إلى فتح مسار سياسي وقانوني ينهي ما تصفه عائلات المعتقلين بأنه أزمة ممتدة منذ سنوات.
رابطة جديدة لتمثيل أسر المعتقلين
وقالت الرابطة، في بيانها التأسيسي، إن إنشاء الكيان الجديد يأتي بهدف توفير إطار رسمي تستطيع من خلاله عائلات المعتقلين التحرك بصورة أكثر تنظيما، والتواصل مع المؤسسات والجهات المعنية بملف المعتقلين، سواء داخل مصر أو خارجها.
وأكدت أن هدفها الرئيسي يتمثل في العمل من أجل إنهاء ما وصفته بـ«المأساة الممتدة منذ 13 عاما»، من خلال البحث عن حلول واقعية تفضي إلى إغلاق هذا الملف، وإخراج المعتقلين السياسيين من السجون.
وأشارت الرابطة إلى أن أبوابها ستكون مفتوحة أمام كل من يستطيع المساهمة في معالجة الملف، مؤكدة أن تحركها لا يقتصر على نطاق جغرافي محدد، وإنما يمتد إلى الأسر المصرية الموجودة في مختلف دول العالم، في محاولة لتوحيد جهود عائلات المعتقلين وإيصال مطالبهم إلى الجهات المعنية.
إبقاء قضية المعتقلين في دائرة الاهتمام
وتضع الرابطة الجديدة ضمن أهدافها إبقاء قضية المعتقلين السياسيين في صدارة الاهتمام الوطني والدولي، والعمل على تمثيلهم أمام المحافل والمؤسسات ذات الصلة، فضلا عن المطالبة بضمان محاكمات عادلة للمحتجزين، وتحسين ظروف الاحتجاز، والسعي إلى الإفراج عنهم باستخدام الوسائل القانونية والسياسية والحقوقية المتاحة.
كما تعتزم الرابطة التواصل مع مؤسسات مصرية ودولية، إلى جانب شخصيات سياسية ودينية وإعلامية وحقوقية، بهدف نقل مطالب المعتقلين وأسرهم وتسليط الضوء على أوضاعهم.
وتقول الرابطة إنها تستعد كذلك لتنظيم تحركات وفعاليات خارجية، من بينها زيارات إلى الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها والمعنية بملفات المعتقلين والمختفين قسريا، فضلا عن بحث سبل رفع دعاوى أمام المحاكم المختصة بشأن ما تقول إنه انتهاكات يتعرض لها بعض المعتقلين.
تحركات قانونية وفعاليات تضامنية
ولا تقتصر أهداف الرابطة، وفقا لبيانها التأسيسي، على النشاط الإعلامي أو التضامني، إذ تتضمن خطتها العمل على المسار القانوني والحقوقي، وتوثيق القضايا المرتبطة بالمعتقلين، والتواصل مع الجهات المختصة بشأن أوضاعهم.
كما تخطط لتنظيم فعاليات جماهيرية تضامنية مع المعتقلين وأسرهم، في محاولة لإبقاء القضية حاضرة في المجال العام، وإيصال صوت العائلات التي تقول إنها تواجه منذ سنوات صعوبات في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بذويها أو الدفاع عن حقوقهم بالشكل الذي تراه مناسبا.
وتسعى الرابطة في المرحلة المقبلة إلى توسيع قاعدة عضويتها من خلال ضم المزيد من عائلات المعتقلين، بما يسمح بتكوين إطار أوسع لتمثيل الأسر والتنسيق فيما بينها.
تقديرات متباينة بشأن أعداد المعتقلين
ويعد تحديد أعداد المعتقلين السياسيين في مصر من أكثر الملفات إثارة للجدل، في ظل عدم وجود رقم رسمي معلن وشامل يمكن الاعتماد عليه لتحديد إجمالي عدد المحتجزين على خلفية سياسية.
وفي المقابل، سبق لمنظمات حقوقية دولية أن قدمت تقديرات بشأن أعداد السجناء والمحتجزين على خلفيات سياسية في مصر، فيما أشارت تقديرات نقلتها جهات حقوقية إلى أرقام تصل إلى عشرات الآلاف، من بينهم نساء وشباب وطلاب ونشطاء من اتجاهات سياسية مختلفة.
وتستند المنظمات الحقوقية في تقديراتها إلى عمليات رصد وتوثيق للقضايا وأوضاع المحتجزين، بينما تؤكد السلطات المصرية في مناسبات مختلفة أن إجراءات القبض والمحاكمة تتم في إطار القانون، وأن من يواجهون اتهامات يتم التعامل معهم وفقا للإجراءات القانونية المعمول بها.
ومن ثم، يبقى حجم ملف المعتقلين السياسيين محل خلاف بين الرواية الرسمية والتقديرات الصادرة عن منظمات حقوقية، في ظل عدم وجود إحصاء مستقل وعلني يحظى بتوافق جميع الأطراف.
مطالب متكررة بتحسين أوضاع السجون
وتقول جهات حقوقية وأسر معتقلين إن هناك انتهاكات ومشكلات تتعلق بظروف الاحتجاز، تشمل ما تصفه بسوء الرعاية الطبية، ومشكلات التغذية والتهوية، والازدحام داخل بعض أماكن الاحتجاز، إضافة إلى القيود المفروضة على الزيارات والتواصل مع الأسر.
كما تتحدث تقارير حقوقية عن حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز، وتربط بعض هذه الحالات، وفقا لروايتها، بتدهور الحالة الصحية وعدم الحصول على الرعاية الطبية التي تتناسب مع احتياجات بعض المرضى.
وفي المقابل، تؤكد السلطات المصرية بصورة مستمرة أن أماكن الاحتجاز تخضع للقانون والرقابة، وأن الدولة تعمل على توفير الرعاية الصحية والخدمات الأساسية للمحتجزين، كما اتخذت خلال السنوات الماضية خطوات تتعلق بتطوير منظومة السجون ونقل أعداد من السجناء إلى مراكز إصلاح وتأهيل جديدة.
ويظل ملف ظروف الاحتجاز من أبرز الملفات التي تتقاطع فيها الروايات الرسمية مع شهادات الأسر والمنظمات الحقوقية، وهو ما يجعل المطالبة بآليات مستقلة وشفافة للرقابة والتوثيق إحدى القضايا الرئيسية في هذا السياق.
الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان
ويستند النقاش حول أوضاع السجون في مصر أيضا إلى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أطلقتها الحكومة في سبتمبر 2021، والتي تضمنت محاور تتعلق بالحقوق والحريات، ومن بينها حقوق الأشخاص المحتجزين.
وتضمنت الاستراتيجية التأكيد على عدد من المبادئ المتعلقة بكرامة الإنسان وحظر التعذيب والإيذاء البدني أو النفسي، إلى جانب التأكيد على الحقوق التي يكفلها الدستور والقانون للمحتجزين.
كما تناولت الاستراتيجية مسألة الرقابة على أماكن الاحتجاز، ودور الجهات والمؤسسات المختصة في متابعة أوضاع السجون، بما في ذلك المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي يملك وفقا للقواعد المنظمة لعمله صلاحيات تتعلق بزيارة أماكن الاحتجاز ورصد أوضاع حقوق الإنسان وإعداد التقارير بشأنها.
وشملت الاستراتيجية كذلك إجراءات تهدف إلى خفض أعداد السجناء، من خلال توسيع نطاق استخدام التدابير القانونية المتاحة للإفراج عن بعض المحكوم عليهم، ومن بينها الإفراج الشرطي والعفو الرئاسي، وفقا للشروط والإجراءات القانونية المنظمة لكل حالة.
أسر المعتقلين تنتظر انعكاس الاستراتيجية على أرض الواقع
وترى عائلات المعتقلين أن تطبيق المبادئ الواردة في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان ينبغي أن ينعكس بصورة مباشرة على أوضاع المحتجزين، خصوصا فيما يتعلق بضمان المحاكمات العادلة وتحسين ظروف الاحتجاز وتوفير الرعاية الطبية والسماح بالتواصل المنتظم مع الأسر.
وتقول الرابطة الجديدة إن إطلاقها يأتي في هذا السياق، باعتبار أن أسر المعتقلين بحاجة إلى إطار منظم يستطيع متابعة القضايا المختلفة، والتواصل مع المؤسسات الحقوقية والقانونية، وطرح مطالبهم أمام الجهات المصرية والدولية.
كما تأمل الأسر، وفقا للرابطة، أن تكون الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية، وما صاحبها من تعديلات قانونية وقرارات بالعفو والإفراج عن بعض المحتجزين، مقدمة لتحرك أوسع ينهي ملف المعتقلين السياسيين.
دعوات إلى الإفراج ومصالحة سياسية
وخلال السنوات الماضية، أطلقت منظمات حقوقية وشخصيات سياسية دعوات متكررة للإفراج عن السجناء على خلفية سياسية، معتبرة أن معالجة هذا الملف يمكن أن تمثل خطوة مهمة نحو تخفيف الاحتقان السياسي وفتح المجال أمام مصالحة وطنية أوسع.
وتقول أسر المعتقلين إن استمرار احتجاز ذويها لا يؤثر فقط على الأشخاص الموجودين خلف القضبان، وإنما يمتد تأثيره إلى أسرهم، التي تتحمل تبعات اجتماعية واقتصادية ونفسية كبيرة، خصوصا عندما يستمر الاحتجاز لسنوات طويلة.
ويرى مؤيدو هذه الدعوات أن إنهاء ملف المعتقلين يمكن أن يساعد في تخفيف حالة الاستقطاب السياسي التي أعقبت أحداث السنوات الماضية، بينما تؤكد السلطات المصرية أن التعامل مع المتهمين يتم وفقا للقانون وأن الدولة تواصل إجراءات الإفراج والعفو في الحالات التي تستوفي الشروط القانونية.
13 عاما من الأزمة السياسية والأمنية
وتضع رابطة أهالي المعتقلين المصريين نشاطها في إطار أوسع يرتبط بالأزمة السياسية التي شهدتها مصر منذ عام 2013، وما ترتب عليها من توقيف ومحاكمات لقضايا شملت شخصيات سياسية ونشطاء وطلابا وأشخاصا من اتجاهات سياسية مختلفة.
وعلى مدار السنوات الماضية، صدرت أحكام قضائية في عدد كبير من القضايا، كما جرت عمليات إفراج عن مجموعات من المحتجزين بموجب قرارات عفو أو إخلاء سبيل أو إجراءات قانونية أخرى، في الوقت الذي استمر فيه احتجاز أشخاص آخرين على ذمة قضايا مختلفة.
ويقول حقوقيون إن معالجة الملف تتطلب، إلى جانب الإفراج عن من لم تثبت إدانتهم، مراجعة أوضاع المحبوسين احتياطيا، وضمان عدم استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة، فضلا عن توفير ضمانات المحاكمة العادلة.

