شنت قوات الدعم السريع هجمات منسقة بالطائرات المسيّرة استهدفت الخرطوم والأبيض وعطبرة والدامر، ما أسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة 6 آخرين في الأبيض، بالتزامن مع سقوط مسيّرة داخل مسجد شمالي العاصمة واستهداف محطة مياه تخدم مدينة تعاني ضغطا إنسانيا متصاعدا.

 

ويعيد الهجوم الواسع الحرب إلى الخرطوم بعد أشهر من الهدوء النسبي، ويوسع نطاق الخطر إلى مدن شمالي السودان، بينما يواجه المدنيون والنازحون تهديدا مزدوجا من القصف وانهيار الخدمات الأساسية، في صراع باتت فيه المياه والكهرباء والمستشفيات أهدافا تدفع المجتمعات المحاصرة ثمن تدميرها.

 

 

المسيّرات تعيد قصف العاصمة

 

أفاد شهود عيان بسماع دوي انفجارات متتالية في الخرطوم خلال الهجوم، في وقت تصدت فيه المضادات الأرضية لعدد من المسيّرات. كما سقطت إحدى الطائرات داخل مسجد شمالي العاصمة، ما كشف مجددا قدرة الهجمات الجوية على تهديد المنشآت المدنية ودور العبادة والمناطق السكنية.

 

ويمثل تجدد القصف بعد فترة من الهدوء تحولا مقلقا لسكان العاصمة الذين حاول بعضهم استعادة قدر محدود من حياتهم الطبيعية، إذ تؤكد المسيّرات أن الخرطوم لم تخرج من دائرة الحرب، وأن الهدوء السابق لم يكن ضمانة حقيقية لعودة الأمن والاستقرار.

 

وامتدت الهجمات إلى عطبرة، كبرى مدن ولاية نهر النيل، حيث حلقت مسيّرات عدة فوق المدينة قبل أن تتصدى لها المضادات الأرضية. ولم ترد معلومات عن خسائر بشرية أو مادية هناك، لكن أصوات الانفجارات أعادت الخوف إلى السكان.

 

كما تعرضت الدامر، عاصمة ولاية نهر النيل، لتهديد مماثل ضمن الهجوم المتزامن، ما يشير إلى اتساع النطاق الجغرافي للعملية واستهداف مدن واقعة تحت سيطرة الجيش، وليس الاكتفاء بمحور عسكري واحد أو منطقة مواجهة محدودة.

 

وتكتسب عطبرة والدامر أهمية حيوية بسبب موقعهما شمالي البلاد واحتضانهما سكانا ونازحين ومرافق خدمية، ولذلك فإن نقل الحرب إليهما بالمسيّرات يهدد بفتح جبهة جديدة من الاضطراب وتعطيل حركة المدنيين والإمدادات بين الولايات.

 

وبينما نسبت مصادر محلية الهجمات إلى قوات الدعم السريع، لم يصدر إعلان فوري بتبني العملية، غير أن الهجمات جاءت ضمن تصعيد عسكري متزايد حول الأبيض ومناطق أخرى تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية، بعد تحولات ميدانية شهدتها جبهات القتال مؤخرا.

 

وتشير تقارير منشورة إلى أن هجمات المسيّرات على الخرطوم والأبيض ومدن أخرى جاءت بعد توقف نسبي، بينما أصبحت الطائرات غير المأهولة إحدى أبرز أدوات الحرب وأكثرها تهديدا للمدنيين والبنية الأساسية في السودان. وقد وثقت تقارير دولية ارتفاعا حادا في الخسائر المرتبطة بها خلال 2026.

 

https://www.reuters.com/world/africa/rsf-renews-assault-sudans-al-obeid-drones-strike-capital-witnesses-say-2026-08-12/

 

قتلى واستهداف للمياه

 

وفي الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، أفادت مصادر عسكرية بأن عدة مسيّرات انتحارية هاجمت المدينة، ما أدى إلى مقتل شخصين مدنيين وإصابة 6 آخرين بجروح متفاوتة، وسط استمرار حالة التأهب والخوف من هجمات إضافية.

 

ولم يقتصر الهجوم على الخسائر البشرية، إذ أصابت إحدى المسيّرات محطة للمياه، وهو استهداف بالغ الخطورة داخل مدينة تعاني أصلا صعوبات شديدة في توفير مياه نظيفة لسكانها والآلاف الذين وصلوا إليها هربا من مناطق القتال.

 

ويعني ضرب محطة المياه أن آثار الهجوم قد تتجاوز القتلى والمصابين المباشرين إلى تهديد حياة أعداد أكبر، لأن تعطل الضخ أو تلوث مصادر الإمداد يرفع مخاطر العطش وانتشار الأمراض، خصوصا بين الأطفال وكبار السن والنازحين.

 

وتعاني الأبيض منذ فترة من نقص الخدمات والسلع والوقود، كما تضررت مرافق الكهرباء والمياه بفعل هجمات سابقة. لذلك فإن إصابة منشأة مائية جديدة تزيد العبء على مدينة أصبحت مركزا لاستقبال الفارين وفي الوقت نفسه هدفا متكررا للقصف.

 

ويثير استهداف المرافق المدنية تساؤلات بشأن احترام أطراف الحرب للقانون الإنساني، الذي يفرض حماية المنشآت الضرورية لبقاء السكان. فمحطات المياه ليست أهدافا عسكرية عادية، وضربها يحول الاحتياجات اليومية الأساسية إلى أداة إضافية لإرهاق المدنيين ودفعهم إلى النزوح.

 

وقد شهد السودان تصاعدا غير مسبوق في استخدام المسيّرات، إذ أفادت تقارير بأن ضرباتها قتلت أكثر من ألف مدني خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، وسط زيادة كبيرة في الهجمات التي طالت الأسواق والمنشآت الصحية والخدمات الأساسية.

 

https://apnews.com/article/sudan-deaths-2026-88f883750a3846c237fa3a62add55d7f

 

 

نزوح يرهق الأبيض

 

يقدر العاملون في المجال الإنساني أن نحو 15 ألف أسرة نزحت إلى مدينة الأبيض خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، ما يوضح حجم التحركات السكانية التي سببتها المعارك وتدهور الأوضاع الأمنية في شمال كردفان والمناطق المحيطة بها.

 

ويفرض التدفق المستمر ضغطا يفوق طاقة مواقع الإيواء والخدمات الأساسية، إذ تحتاج الأسر الجديدة إلى مساكن وغذاء ومياه ورعاية طبية وحماية، بينما تعاني المدينة نفسها نقص الموارد وتضرر منشآتها واستمرار خطر القصف الجوي.

 

وتصبح إصابة محطة المياه أكثر خطورة عند ربطها بهذا العدد من النازحين، لأن كل أسرة جديدة تزيد الطلب على مورد محدود بالفعل. وقد يؤدي استمرار التعطيل إلى ازدحام مصادر المياه البديلة وارتفاع أسعارها والاعتماد على مصادر غير مأمونة.

 

ورغم صعوبة الظروف، تواصل الأمم المتحدة وشركاؤها الإنسانيون الوصول إلى المحتاجين في الأبيض وتقديم المساعدات المتاحة، إلا أن استمرار الهجمات واتساع رقعة القتال يهددان حركة فرق الإغاثة وقدرتها على إدخال الإمدادات وتوزيعها بانتظام وأمان.

 

وتحتاج الاستجابة إلى تأمين الممرات الإنسانية وحماية العاملين والمخازن والمرافق، لأن المساعدات وحدها لا تكفي حين تتعرض الطرق ومحطات المياه والكهرباء للقصف، ويضطر المدنيون إلى النزوح مرات متكررة بحثا عن مكان أقل خطرا.

 

كما يكشف التصعيد أن الحرب لم تعد محصورة في المواجهات البرية، بل انتقلت إلى مرحلة تستطيع فيها المسيّرات الوصول إلى مدن متباعدة في وقت متزامن، ما يوسع مساحة الخوف ويجعل ملايين المدنيين معرضين للهجوم دون إنذار.

 

وبذلك يواجه السودان دائرة مدمرة تبدأ بالقصف، ثم سقوط الضحايا وتعطل الخدمات، وتنتهي بموجات نزوح جديدة تضغط على مدن منهكة. ومن دون وقف استهداف المدنيين والبنية الأساسية، ستظل كل جولة تصعيد تمهد لكارثة إنسانية أشد من سابقتها.