كشفت نتائج الفرقة الأولى في كليات الطب بعدة جامعات في جنوب مصر عن نسب نجاح هبطت إلى 23.9% في طب أسوان، لتفجر موجة جدل واسعة بشأن قدرة الثانوية العامة على فرز الطلاب المؤهلين فعليا للدراسة الطبية.

 

وتأتي الصدمة بينما تقدم السلطة امتحانات الثانوية العامة باعتبارها بوابة عادلة لتوزيع الفرص الجامعية، لكن رسوب أغلبية طلاب دخلوا كليات القمة بمجاميع مرتفعة يعيد السؤال القاسي حول من يدفع ثمن منظومة تقيس الدرجة أكثر مما تقيس الكفاءة.

 

وبداية، أظهرت النتائج نجاح 98 طالبا فقط من أصل 413 طالبا في الفرقة الأولى بكلية طب أسوان، بنسبة 23.9%، بينما بلغ عدد غير المجتازين للدور الأول 315 طالبا، في واحدة من أدنى النسب المتداولة هذا العام.

 

وفي قنا، دارت نسبة النجاح في كلية الطب حول 33%، بينما سجلت كلية طب الأسنان بجامعة سوهاج قرابة 35%، ووصلت النسبة في طب أسيوط إلى نحو 44%، ما كشف اتساع الظاهرة خارج جامعة واحدة.

 

ومن ناحية أخرى، لا تعني النتائج وحدها أن كل طالب راسب دخل الكلية عبر خلل في الثانوية العامة، لكنها تضع نظام التقييم المدرسي تحت اختبار صعب، لأن الفجوة بين مجموع الالتحاق والأداء الجامعي أصبحت واسعة ولافتة.

 

وعلى هذا الأساس، تبدو القضية أكبر من موسم امتحانات عابر، إذ تمس عدالة توزيع المقاعد في أكثر الكليات تنافسا، وتثير شكوكا بشأن ما إذا كانت الدرجات المرتفعة تعكس معرفة حقيقية أم مهارة في اجتياز نمط محدد من الأسئلة.

 

وفي المقابل، يرى تربويون أن صرامة كليات الطب لا ينبغي أن تتحول إلى متهم، لأن إعلان النتائج كما هي يحمي قيمة الشهادة الجامعية، ويمنع ترحيل فجوات التعلم إلى سنوات لاحقة قد يصبح ثمنها أخطر في مهنة تمس حياة المرضى.

 

وفوق ذلك، تكشف الأزمة عن معاناة إنسانية لعائلات أنفقت سنوات وأموالا على دروس ومراجعات للحصول على مجموع يؤهل أبناءها للطب، ثم وجدت نفسها أمام رسوب جماعي يطرح شكوكا مؤلمة حول معنى التفوق الذي وعدتهم به المنظومة.

 

ومع اتساع الجدل، يصبح من الضروري التمييز بين جودة الطالب عند دخول الجامعة وبين صعوبة الانتقال من المدرسة إلى التعليم الطبي، لأن السنة الأولى تفرض أنماطا جديدة من الدراسة واللغة والحفظ والفهم قد تربك بعض المتفوقين.

 

 

امتحانات تقيس الدرجة.. لا الكفاءة

 

ويقول الدكتور تامر شوقي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس إن النتائج تكشف خللا في فلسفة امتحانات الثانوية العامة، معتبرا أن نظام الأسئلة الحالي لا يمنح مساحة كافية لقياس قدرات الطالب على التعبير والتحليل والاستنتاج.

 

وبحسب شوقي، فإن اعتماد الامتحانات بنسبة كبيرة على أسئلة الاختيار من متعدد يجعل الوصول إلى الإجابة الصحيحة ممكنا دون الكشف الكامل عن طريقة تفكير الطالب، بينما تستطيع الأسئلة المقالية إظهار الفروق الحقيقية بين مستويات الفهم.

 

ولهذا، دعا شوقي إلى قلب النسب الحالية بحيث تصبح الأسئلة المقالية 85% والاختيار من متعدد 15%، مؤكدا أن تغيير بنية الامتحان يمكن أن يغير ترتيب الطلاب ويكشف بصورة أدق من يملك قدرات أكاديمية حقيقية.

 

وفي تفسير إضافي، أشار شوقي إلى أن بعض الطلاب قد يحققون مجموعا مرتفعا بفضل تفوقهم في مواد غير تخصصية، بينما تكون مستوياتهم أقل في الأحياء والكيمياء، وهما من المواد الأكثر اتصالا بالمسار الطبي لاحقا.

 

وبالتالي، تطرح المفارقة سؤالا مباشرا حول منطق التنسيق القائم على المجموع الكلي وحده، إذ قد يمنح طالبا مقعدا في الطب رغم ضعف نسبي في المواد العلمية، بينما يستبعد آخر أكثر كفاءة تخصصية بفارق محدود في المجموع.

 

ومن ثم، يصبح إصلاح الامتحان مرتبطا بإعادة تعريف التفوق نفسه، بحيث لا يظل الطالب المتميز هو من يجمع أكبر عدد من الدرجات فقط، بل من يثبت قدرته على الفهم والتحليل والربط والتعبير المنطقي تحت شروط تقييم عادلة.

 

 

الغش يربك العدالة

 

أما الدكتور حسن شحاتة أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، فيرى أن الأسئلة المقالية ضرورية لقياس نواتج تعلم لا تستطيع أسئلة الاختيار وحدها كشفها، خصوصا قدرة الطالب على تنظيم المعرفة والتعبير عنها وربط عناصرها بصورة متماسكة.

 

كما يرى شحاتة أن الاختيار من متعدد يتميز بالموضوعية وسهولة التصحيح، لكنه لا ينبغي أن يحتكر الورقة الامتحانية، لأن العدالة التعليمية لا تعني فقط توحيد التصحيح، بل تعني أيضا تنويع أدوات قياس قدرات الطلاب الحقيقية.

 

وفي الوقت ذاته، يعيد ذلك ملف الغش الإلكتروني إلى الواجهة، إذ إن تداول الإجابات أو تسريبها في نظام يعتمد بكثافة على الاختيارات قد يمنح بعض الطلاب درجات مرتفعة لا تعكس مستواهم، ثم تظهر الفجوة لاحقا داخل الجامعة.

 

وعلاوة على ذلك، فإن الحالات المتكررة لتداول أسئلة الثانوية العامة خلال سنوات سابقة أضعفت الثقة في قدرة الامتحان الواحد على ترتيب مئات الآلاف من الطلاب بعدالة كاملة، خاصة حين يصبح فارق الدرجة الواحدة حاسما في التنسيق.

 

وبناء على ذلك، لا تكفي زيادة الأسئلة المقالية وحدها إذا بقيت الرقابة ضعيفة أو استمرت الدروس الخصوصية في تدريب الطلاب على أنماط متوقعة، بل يحتاج الإصلاح إلى تغيير التدريس والتقييم معا منذ سنوات ما قبل الثانوية.

 

وفي المحصلة، تبدو نتائج كليات الطب كأنها اختبار مؤجل لمنظومة الثانوية العامة نفسها، لأن الجامعة أعادت قياس الطلاب بأدوات مختلفة، فظهرت فجوة حادة بين الصورة التي صنعتها المجاميع المرتفعة وبين الأداء الأكاديمي الفعلي.

 

 

خلل يتجاوز الامتحان

 

ويرى الباحث التربوي كمال مغيث أن الغش لا يمكن التعامل معه باعتباره واقعة منفصلة عن أزمة التعليم، وأن استمرار تسريب الامتحانات أو تداولها يعكس خللا هيكليا أوسع لا تحله إجراءات التفتيش والعقوبات وحدها.

 

ومن زاوية أوسع، يلفت طرح مغيث إلى أن أزمة الامتحان تبدأ قبل دخول الطالب اللجنة، في مدارس تعاني تفاوت الإمكانات واعتمادا واسعا على الدروس الخصوصية، ما يجعل فرص التحصيل نفسها غير متكافئة قبل لحظة القياس النهائية.

 

وعند هذه النقطة، تصبح نسب الرسوب الجامعي جرس إنذار لا إدانة جماعية للطلاب، لأن تحميل شاب في الثامنة عشرة وحده مسؤولية فشل منظومة كاملة يتجاهل سنوات من سياسات التعليم التي اختزلت المستقبل في مجموع نهائي واحد.

 

وفي المقابل، لا يجوز استخدام الأزمة ذريعة لخفض معايير النجاح داخل كليات الطب، فالمهنة تتطلب معرفة دقيقة وكفاءة صارمة، وأي تساهل في التقييم قد ينقل تكلفة الخلل من الطالب إلى المريض الذي يعتمد لاحقا على الطبيب.

 

لهذا السبب، تبدو الحاجة ملحة إلى دراسة رسمية تربط درجات المقبولين في الطب بأدائهم في المواد العلمية ونتائجهم الجامعية، بما يسمح باختبار صلاحية معايير القبول بدلا من الاكتفاء بالجدل الإعلامي والانطباعات المتعارضة.

 

وأخيرا، فإن نسب النجاح التي هبطت إلى 23.9% لا ينبغي دفنها باعتبارها أزمة جامعية عابرة، بل التعامل معها كدليل يستحق التحقيق في الثانوية العامة والتنسيق وأساليب التدريس قبل أن تتكرر الفجوة مع دفعات جديدة.