أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر تسجيل 714 حالة بروتستو مسددة و2904 حالات عدم دفع وحكمي إفلاس خلال 2025 بما أظهر تراجع الأعداد مقارنة بعام 2024 مع بقاء أزمة الديون ثقيلة.
لكن اختزال هذه الأرقام في رواية رسمية عن التحسن يتجاهل واقعا سياسيا وإنسانيا قاسيا صنعته سياسات الغلاء والفائدة المرتفعة وتآكل الدخول حيث يواجه التجار والمواطنون ضغوطا معيشية وتمويلية لا تعكسها قلة الأحكام وحدها.
وتكشف قراءة المحاور الثلاثة أن انخفاض البروتستو المسدد وتراجع حالات عدم الدفع وهبوط أحكام الإفلاس لا يعني تلقائيا تعافي السوق لأن حجم الديون المتعثرة وتوزيعها الجغرافي يقدمان صورة أشد تعقيدا.
وفي المقابل سجل التقرير مفارقة لا تسمح بالاحتفال المبكر إذ انخفض عدد حالات عدم الدفع بينما تركزت عشرات المليارات في محافظات محددة بما يكشف هشاشة النشاط التجاري خارج المؤشرات الرسمية المختصرة.
وبالأرقام تبدو الحركة أقل من العام السابق لكن القيمة الضخمة للديون غير المسددة تجعل الحديث عن تحسن شامل أقرب إلى انتقاء ما يناسب الخطاب الحكومي وترك ما يفضح عمق الضيق الائتماني.
انخفاض في عدد الحالات
بداية انخفض عدد حالات البروتستو التي سددت قيمتها إلى 714 حالة خلال 2025 مقابل 821 حالة في 2024 أي بتراجع بلغ 107 حالات ونسبة 13 بالمئة وفق بيانات الجهاز المركزي الرسمية.
كذلك تراجعت قيمة الديون المرتبطة بالحالات المسددة إلى 13 فاصل 8 مليون جنيه مقابل نحو 16 فاصل 4 مليون جنيه بانخفاض يقارب 2 فاصل 5 مليون جنيه ونسبة 15 فاصل 5 بالمئة بما يمثل تراجعا عدديا وماليا متزامنا وواضحا.
أما حالات بروتستو عدم الدفع فقد بلغت 2904 حالات في 2025 مقابل 3290 حالة خلال 2024 لتنخفض بمقدار 386 حالة وبنسبة 12 بالمئة بحسب النشرة السنوية الصادرة عن الجهاز الرسمية الأخيرة.
وعلى مستوى المقارنة العددية يمنح هذا المسار انطباعا بانحسار التعثر غير أن عدد الأوراق المحتج عليها لا يقيس وحده قدرة السوق على السداد ولا يكشف قيمة الالتزامات المتراكمة خلف كل حالة.
جغرافيا تصدرت القاهرة حالات البروتستو المسددة بعدد 213 حالة مثلت 30 بالمئة من الإجمالي ثم البحر الأحمر بعدد 130 حالة ونسبة 18 بالمئة فالمنوفية بعدد 77 حالة ونسبة 11 بالمئة.
ومن زاوية القيمة جاءت القاهرة أولا بديون مسددة بلغت 4 فاصل 6 مليون جنيه تعادل 33 بالمئة تلتها المنوفية بقيمة 1 فاصل 8 مليون ونسبة 13 بالمئة ثم الغربية بقيمة 1 فاصل 4 مليون ونسبة 10 بالمئة.
في حين تكشف هذه الخريطة تركز النشاط التجاري والائتماني في محافظات بعينها فإنها تطرح أيضا سؤالا عن المناطق التي تراجع فيها تسجيل الحالات لا بسبب التعافي بل ربما بسبب انكماش التعاملات.
ديون ضخمة بلا سداد
غير أن البحيرة تصدرت حالات بروتستو عدم الدفع بعدد 478 حالة تعادل 16 فاصل 4 بالمئة من الإجمالي تلتها القاهرة بعدد 453 حالة ونسبة 16 بالمئة ثم الغربية بعدد 397 حالة ونسبة 14 بالمئة.
والأخطر أن قيمة ديون عدم الدفع في البحيرة بلغت نحو 38 فاصل 9 مليار جنيه واستحوذت وحدها على 74 بالمئة من الإجمالي وهو تركز استثنائي يهدم بساطة الاستنتاج القائل إن تراجع الحالات يعني تحسنا.
وبحساب الحصص المنشورة يقترب إجمالي ديون بروتستو عدم الدفع من 52 فاصل 6 مليار جنيه وهو تقدير مستنتج من نسبة البحيرة لا رقم إجمالي صريح في البيانات المعروضة بما يستوجب قراءة حذرة ودقيقة.
لذلك جاءت القاهرة ثانية في قيمة ديون عدم الدفع بنحو 7 فاصل 4 مليار جنيه تعادل 14 بالمئة ثم الجيزة بنحو 5 فاصل 4 مليار جنيه تمثل 10 فاصل 2 بالمئة من الإجمالي المعلن للنشرة السنوية الرسمية.
ومن ثم فإن المحافظات الثلاث تستحوذ وفق النسب المنشورة على نحو 98 فاصل 2 بالمئة من قيمة ديون عدم الدفع ما يعني أن أزمة السيولة مركزة بشدة وأن المتوسطات العامة قد تخفي بؤرا أكثر خطورة.
اجتماعيا لا تبقى هذه المليارات حبيسة دفاتر المحاكم والتجارة بل تمتد آثارها إلى أجور العاملين وسلاسل الموردين والورش الصغيرة وأسر تعتمد على دوران نقدي هش يمكن أن يتعطل بورقة واحدة غير مسددة.
اقتصاديا يعكس تركز الديون بهذا الحجم فجوة بين انخفاض عدد الحالات وبين ثقل كل حالة كما يثير تساؤلات عن كفاءة الائتمان وفاعلية التسوية وسرعة التقاضي وقدرة المشروعات على الوصول إلى التمويل.
سياسيا تبدو محاولة تقديم الانخفاض العددي باعتباره شهادة نجاح مثالا جديدا على إدارة الأزمة باللغة الإحصائية فالحكومة تنتقي الرقم المريح بينما يدفع السوق كلفة سياسات لا تعالج أصل الاختناق ولا تحمي الأضعف.
الإفلاس بين الرقم والواقع
وبشأن أحكام إشهار الإفلاس فقد انخفضت إلى حالتين فقط خلال 2025 مقابل 6 حالات في 2024 أي بتراجع قدره 4 حالات وهو هبوط واضح في السجل القضائي الرسمي الذي وثقته النشرة.
كما انخفضت قيمة الديون المرتبطة بأحكام الإفلاس إلى 70 فاصل 3 مليون جنيه مقابل 120 فاصل 2 مليون جنيه في العام السابق بتراجع بلغ 49 فاصل 9 مليون جنيه ما يؤكد تقلص القيمة المسجلة قضائيا أيضا.
ورغم ذلك لا يجوز مساواة قلة أحكام الإفلاس بقلة الشركات المتعثرة لأن الوصول إلى حكم نهائي تحكمه إجراءات قانونية وتسويات وتوقف فعلي قد يسبق الإشهار أو لا ينتهي إليه أصلا.
وعليه تقيس النشرة ما دخل مسارات البروتستو والإفلاس المسجلة ولا تقدم تعدادا كاملا لكل منشأة أغلقت أو قلصت عمالتها أو عجزت عن الوفاء خارج هذه القنوات القانونية المحددة داخل السوق.
وفي المحصلة يحمل التقرير إشارتين متعارضتين انخفاضا في أعداد الحالات المسددة وغير المسددة وأحكام الإفلاس من جهة وكتلة ضخمة شديدة التركز من ديون عدم الدفع من جهة أخرى لا يمكن تجاهلها.
وتوثيقيا تحتاج المقارنة المقبلة إلى نشر إجمالي قيمة بروتستو عدم الدفع بصورة مباشرة ومقارنتها بعام 2024 مع توضيح القطاعات وأحجام المنشآت ومدد التعثر حتى لا تتحول النسب المنفردة إلى ستار يحجب الواقع.
أخيرا لا تقول الأرقام إن مصر خرجت من أزمة التعثر بل تقول إن الحالات الرسمية انخفضت بينما بقيت ديون عدم الدفع بمليارات ثقيلة وأن الحكم على التحسن يتطلب شفافية أوسع وسياسات تحمي الناس والاقتصاد.

