تحل الذكرى الثالثة عشرة لفض اعتصام رابعة العدوية فيما تعود قصة أسماء البلتاجي إلى الواجهة بوصفها واحدة من أكثر القصص الإنسانية حضورًا في ذاكرة ذلك اليوم، بعدما استشهدت في 14 أغسطس 2013 عن عمر لم يتجاوز 17 عامًا، وتحولت صورتها لاحقًا إلى رمز لدى قطاعات واسعة من مؤيدي الرئيس الراحل محمد مرسي ورافضي الانقلاب العسكري.
ولا تتوقف قصة أسماء عند لحظة استشهادها داخل المستشفى الميداني، بل تمتد إلى تفاصيل روتها والدتها سناء عبد الجواد عن الساعات الأخيرة، والقبر الذي قالت إن السلطات رفضت وضع اسم ابنتها عليه، ومحاولات الأسرة المتكررة للمطالبة بالتحقيق والقصاص، لتظل الحكاية بعد 13 عامًا مفتوحة بين ألم أم فقدت ابنتها وذاكرة جماعية ترفض أن تتحول المذبحة إلى مجرد رقم في كتب التاريخ.
17 عامًا انتهت في رابعة
بحسب رواية والدتها، كانت أسماء داخل اعتصام رابعة عندما أصيبت بطلق ناري خلال عملية الفض، قبل أن تُنقل إلى المستشفى الميداني وهي في حالة حرجة، وهناك عاشت الأم واحدة من أقسى لحظات حياتها وهي تتابع ابنتها تفارق الحياة.
وقالت سناء عبد الجواد إن أسماء ظلت تردد في لحظاتها الأخيرة "يارب يا الله"، وهي العبارة التي بقيت مرتبطة في ذاكرة الأسرة بالمشهد الأخير لفتاة لم تكن قد أكملت عامها الثامن عشر.
ولم تكن مشاركة أسماء في الشأن العام جديدة في أغسطس 2013، إذ قالت والدتها إنها شاركت قبل ذلك في ثورة 25 يناير عام 2011، كما حضرت أحداث شارع محمد محمود، بما جعل مشاركتها في رابعة امتدادًا لمسار بدأ قبل سنوات من لحظة استشهادها.
وتستعيد والدتها تلك المرحلة باعتبارها جزءًا من تكوين ابنتها، التي كانت، وفق روايتها، ترى في المشاركة العامة تعبيرًا عن موقفها من مستقبل البلاد، قبل أن تنتهي تجربتها القصيرة وسط واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ مصر الحديث.
كما تحدثت الأم عن تفاصيل دفن ابنتها في إحدى مقابر شرقي القاهرة، وقالت إن السلطات رفضت وضع اسمها على القبر، وإن لوحة صغيرة تشير إلى أن المدفونة هي أسماء البلتاجي أزيلت بعد وضعها.
وأضافت أن عبارات كتبتها زميلات أسماء على القبر أزيلت هي الأخرى، وهو ما عمق لدى الأسرة الشعور بأن الأمر لم يتوقف عند فقدان الابنة، بل امتد، بحسب رواية الأم، إلى محاولة محو حتى العلامات التي تحفظ اسمها في مكان دفنها.
وفي المقابلة التي أجرتها وكالة الأناضول مع سناء عبد الجواد في أغسطس 2014، قالت إنها كانت تتمنى أن تأتي ذكرى رابعة وهي تحمل خبرًا عن تحقيق العدالة لابنتها ولضحايا ذلك اليوم.
وأكدت الأم رفضها أي تعويض مادي مقابل استشهاد أسماء، وتمسكها بما وصفته بحق الأسرة في القصاص، باعتبار أن فقدان ابنتها لا يمكن اختزاله في مقابل مالي أو تسوية تتجاوز السؤال عن المسؤولية.
وقالت عبد الجواد كذلك إن الأسرة أدلت بأقوالها أمام لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها السلطات المصرية بعد أحداث 2013، لكنها أكدت أن ذلك لم يتبعه تحقيق في استشهاد ابنتها وفق روايتها.
رمز بقي بعد المذبحة
جاء استشهاد أسماء داخل حدث أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا خلال فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، في واحدة من أكثر المحطات استقطابًا ودموية في تاريخ مصر الحديث.
وبحسب ما ورد في المادة المرسلة، قدرت منظمات حقوقية أعداد الضحايا بما يزيد على 10 آلاف مواطن من مؤيدي الرئيس الراحل محمد مرسي، بينما بقيت أسماء واحدة من الوجوه الأكثر تداولًا عند استعادة مشاهد ذلك اليوم.
وبعد استشهادها، تجاوز حضور أسماء حدود أسرتها، إذ ظهرت صورتها في فعاليات ومسيرات معارضة، وتحولت قصتها إلى إحدى الروايات التي يستعيد بها رافضو الانقلاب أحداث رابعة وما تلاها من تحولات.
كما حظيت صورتها بتفاعل لم يقتصر على المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، إذ أصبحت بالنسبة إلى قطاعات أخرى صورة لفتاة صغيرة انتهت حياتها وسط صدام دموي ترك جرحًا ممتدًا داخل المجتمع المصري.
ووفق ما ورد في تقرير وكالة الأناضول، أطلق اسمها على حديقة في تركيا، في مؤشر على انتقال رمزية قصتها خارج الحدود المصرية، وتحولها إلى واحدة من الشخصيات المرتبطة بذاكرة رابعة في الخطاب المعارض.
وتبقى شهادة والدتها العنصر الأكثر إنسانية في هذه الحكاية، إذ لا تقدم أسماء بوصفها رمزًا سياسيًا فقط، وإنما ابنة كانت لها حياة وأصدقاء وأحلام، ثم تحولت في ساعات قليلة إلى صورة يتداولها الآلاف في ذكرى المذبحة.
وبعد 13 عامًا، لا تزال الأم تستدعي اللحظة ذاتها، ليس بحثًا عن تعويض، وإنما عن اعتراف ومسؤولية وعدالة تقول إنها لم تتحقق حتى الآن.
وهكذا، تظل أسماء البلتاجي حاضرة في ذكرى رابعة بوصفها واحدة من القصص التي تختصر مأساة يوم كامل، فتاة في السابعة عشرة خرجت من بيت أسرتها إلى الاعتصام، وانتهى بها الطريق إلى المستشفى الميداني ثم إلى قبر قالت أمها إن اسمها مُنع حتى من البقاء عليه.

