سجلت الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، عند الساعة 12:02 ظهر الثلاثاء 14 يوليو 2026، هزة أرضية شرق القاهرة، قال المعهد إنها نتجت عن أعمال إنشائية، فيما وردت إليه بلاغات محدودة من مواطنين شعروا باهتزاز خفيف، دون تسجيل إصابات بشرية أو خسائر في الممتلكات.

 

وأعاد الاهتزاز المفاجئ مخاوف سكان المناطق الشرقية من القاهرة، خاصة مع تكرار الإحساس بهزات خلال الشهور الأخيرة، إلا أن بيان المعهد فرّق بصورة واضحة بين الزلازل الطبيعية الناتجة عن حركة الصدوع والقشرة الأرضية، وبين الاهتزازات السطحية التي قد تنتج عن الحفر أو التفجيرات أو المعدات الثقيلة والمشروعات الإنشائية القريبة من المناطق السكنية.

 

هزة إنشائية وليست زلزالاً

 

تكتسب الإشارة إلى الأعمال الإنشائية أهمية كبيرة، لأن تسجيل الموجات عبر محطات الزلازل لا يعني بالضرورة وقوع زلزال تكتوني طبيعي. فالأنشطة الصناعية والإنشائية قد تولد اهتزازات أرضية محدودة، تلتقطها الأجهزة الدقيقة ويشعر بها سكان المناطق القريبة، لكنها عادة تكون سطحية وقصيرة المدى ولا تنتشر بالطريقة نفسها التي تنتقل بها موجات الزلازل الإقليمية.

 

ولم يعلن المعهد في بيانه الأول قوة هزة الثلاثاء أو عمقها، مكتفياً بتحديد توقيتها وموقعها وسببها المرجح، مع التأكيد على عدم وقوع خسائر. ويشير ذلك إلى أن الواقعة كانت محدودة، إلا أنها اكتسبت زخماً واسعاً بسبب شكاوى المواطنين من اهتزاز المباني وشعورهم برجة مفاجئة أثارت القلق داخل عدد من مناطق شرق العاصمة.

 

ولم تكن هذه الواقعة الأولى من نوعها خلال 2026، إذ سجل المعهد في 22 مايو هزة سطحية شرق القاهرة بلغت قوتها 2.1 درجة، ورجح ارتباطها بأعمال صناعية أو إنشائية. وشعر بها بعض سكان القاهرة الجديدة والتجمع بصورة خفيفة جداً، دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية.

 

كما رصدت الشبكة في 2 مارس 2026 هزة ضعيفة على بعد نحو 40 كيلومتراً جنوب شرقي بلبيس. ويعكس تكرار البيانات قدرة محطات الرصد على التقاط الأحداث الصغيرة، سواء كانت زلازل طبيعية محدودة أو اهتزازات مرتبطة بأنشطة بشرية، ولا يعني بالضرورة دخول مصر في موجة زلزالية غير مسبوقة.

 

زلازل المتوسط تصل مصر

 

تتأثر مصر من حين إلى آخر بزلازل تقع خارج حدودها، خصوصاً في منطقة جزيرة كريت والقوس الهيليني وقبرص وشرق البحر المتوسط. وقد تنتقل موجات الزلازل القوية أو العميقة إلى مسافات بعيدة، فيشعر بها سكان القاهرة والإسكندرية والدلتا، رغم وقوع مركزها على بعد مئات الكيلومترات من السواحل المصرية.

 

وفي 14 مايو 2025، شعر سكان القاهرة الكبرى ومحافظات أخرى بزلزال بلغت قوته 6.4 درجة جنوب جزيرة كريت. وأوضح رئيس المعهد أن الشعور بالهزة استمر أقل من 20 ثانية، وأن عمقها البالغ نحو 76 كيلومتراً ساعد على انتقال الموجات واتساع نطاق الإحساس بها، دون وقوع خسائر داخل مصر.

 

وبعد نحو أسبوع، وقع زلزال آخر قرب شمال شرقي كريت على مسافة تقارب 500 كيلومتر من مرسى مطروح، لكنه كان أقل تأثيراً من الهزة السابقة. وأوضح مسؤولو المعهد وقتها أن وقوع زلزالين خلال فترة متقاربة يرتبط بالنشاط الطبيعي للمنطقة الناتج عن حركة الصفائح، وليس دليلاً على اقتراب زلزال مدمر داخل مصر.

 

وتكرر المشهد في نوفمبر 2025، عندما سجلت الشبكة هزتين غرب قبرص، إحداهما بقوة 5.22 درجة والأخرى بنحو 5.3 درجة، وشعر بهما مواطنون داخل مصر. وفي يناير 2022، شعر المصريون أيضاً بزلزال بلغت قوته 6.6 درجة قبالة الساحل الغربي لقبرص، دون تسجيل أضرار محلية.

 

وفي 19 أكتوبر 2021، سجل المعهد زلزالاً بقوة 6.2 درجة في منطقة شرق البحر المتوسط، وشعر به مواطنون في مصر دون خسائر. وتكشف هذه الوقائع أن عدداً كبيراً من الهزات التي يشعر بها المصريون يكون مركزها خارج البلاد، بينما تصل موجاتها إلى المدن المصرية بسبب قوتها وعمقها وطبيعة انتشارها.

 

هزات داخل الحدود

 

شهدت مصر أيضاً هزات كان مركزها أقرب إلى أراضيها، من بينها زلزال بلغت قوته 4.1 درجة شمال مدينة السويس في فبراير 2023، ووقع على عمق يقارب 10 كيلومترات. كما سجلت دراسة علمية هزة بقوة محلية بلغت 4.3 درجة شرق القاهرة في ديسمبر 2018، وجرى الشعور بها على مسافة وصلت إلى نحو 50 كيلومتراً من مركزها.

 

أما الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا في 6 فبراير 2023، فقد سجلته المحطات المصرية بقوة 7.7 درجة وعلى مسافة تقارب 691 كيلومتراً شمال رفح، وشعر به عدد من سكان المدن المصرية، لكن لم ترد معلومات عن وقوع خسائر داخل البلاد.

 

وتظل واقعة زلزال دهشور في أكتوبر 1992 الأكثر حضوراً في ذاكرة المصريين، بعدما تسبب زلزال متوسط القوة في أضرار واسعة بالقاهرة ومناطق أخرى. وأظهرت الدراسات أن حجم الخسائر لم يرتبط بالقوة وحدها، بل تأثر أيضاً بحالة المباني القديمة أو سيئة الإنشاء وخصائص التربة واستجابة المنشآت للاهتزاز.

 

مصر خارج الخطر الأكبر

 

تشير الدراسات إلى أن مصر ليست ضمن أكثر الأحزمة الزلزالية نشاطاً في العالم، لكنها ليست معزولة تماماً عن المخاطر. وتتركز مصادر النشاط المؤثرة عليها في شرق البحر المتوسط وخليج السويس والبحر الأحمر وخليج العقبة، إضافة إلى بعض الصدوع الداخلية القادرة على إنتاج هزات محدودة أو متوسطة.

 

ويؤكد مسؤولو المعهد أن محطات الشبكة تسجل يومياً عدداً من الأحداث الزلزالية في المنطقة العربية وحوض البحر المتوسط، لكن البيانات التفصيلية تصدر غالباً عند شعور المواطنين بالهزة. كما يرفض المعهد التحذيرات التي تزعم تحديد يوم أو ساعة وقوع زلزال كبير، مؤكداً أن التنبؤ الزمني الدقيق بالزلازل غير متاح علمياً.

 

وتبقى هزة شرق القاهرة الأخيرة محدودة وغير مصحوبة بخسائر، لكنها تفرض ضرورة إعلان تفاصيل الأنشطة الإنشائية التي قد تسبب اهتزاز المباني، ومراجعة إجراءات السلامة في المشروعات القريبة من التجمعات السكنية. كما تبرز أهمية استمرار تطوير شبكات الرصد وتطبيق اشتراطات البناء المقاوم للزلازل، لأن قوة الهزة ليست العامل الوحيد في تحديد حجم الخطر، بل تتقدم عليها أحياناً جودة المباني ومدى استعداد السكان والجهات التنفيذية.