* الدكتور مصطفى كامل السيد يكتب:
ملاحظات حول مساعي نقل تبعية جهاز مستقبل مصر من وزارة الدفاع إلى رئاسة الجمهورية
مناقشة مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر في مجلس النواب هذا الأسبوع مناسبة مهمة، ليس لأن في مشروع القانون فكرًا جديدًا، ولكن لأنه ترجمة أمينة للنهج المتبع في إدارة الاقتصاد المصري منذ عام 2014، الذي كانت أهم ملامحه توسع القوات المسلحة في القيام بالوظائف التي يفترض أن يؤديها القطاعان العام والخاص.
نتائج اتِّباع هذا المنهج واضحة للعيان، ويكفي الاطلاع على البيانات الحكومية ذاتها حول معدل النمو وتزايد الطبيعة الريعية للاقتصاد وتعاظم المديونية الخارجية والداخلية وارتفاع معدلات التضخم ووقوع ثلث السكان تقريبًا تحت خط الفقر، لمعرفة أنه إذا كانت تلك هي نتيجة اتباع هذا النهج في الماضي، فلا يُتصوّر أن يؤدي الاستمرار فيه، وهو ما يعكسه بوضوح مشروع هذا القانون، إلى نتائج مغايرة.
الأفكار الواردة في هذا المقال مطروحة على الرأي العام في مصر وكذلك السادة أعضاء مجلس النواب، وقد كشفت المناقشة الافتتاحية لمشروع القانون عن بعض التوافق حول تعديلات مهمة فيه. وأرى أن هذه المناقشة تمت بسرعة وكان يجب تخصيص وقت أطول للحديث عن فلسفة مشروع القانون، ومع ذلك لم يفت وقت العودة لها، خاصة عندما يتنقل المجلس لمناقشة مواد مشروع إعادة التنظيم في الفصل الثاني من مشروع القانون، وتحديدًا المادتين الثانية والثالثة من هذا الفصل.
استجابة على الطريقة المصرية
توقيت صدور مشروع القانون بالغ الأهمية في اكتشاف أسباب اقتراحه. فقد صدر بعد المراجعة السابعة للاتفاق الموقع مع صندوق النقد الدولي، واستجابة للتحفظات التي أبداها الصندوق حول أسلوب إدارة الاقتصاد المصري، إذ دعا الاتفاق الموقع مع الصندوق في 2016 إلى تخفيف قبضة القوات المسلحة على الاقتصاد.
ولا شك أن مشروع القانون، الذي ينقل تبعية الجهاز من وزير الدفاع إلى رئيس الجمهورية، هو الاستجابة "المصرية" المعهودة لتوصيات الصندوق بالتظاهر رسميًا بالخضوع لها، بينما لا يتغير الواقع الذي لقي اهتمام الصندوق في شيء.
رسالة الصندوق واضحة بضرورة الانتقال إلى اقتصاد السوق مع أخذ قضايا الحماية الاجتماعية في الاعتبار. ما حدث في مصر منذ 2014 لا يقنع أحدًا من خبراء الاقتصاد أو من المواطنين بأن هذا الانتقال قد حدث.
مشروع القانون المقدم إلى مجلس النواب بخصوص إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر يؤدي إلى توسيع دور هذا الجهاز المملوك للدولة وامتداد سيطرته على الموارد المالية للدولة، من خلال كلٍّ من الصندوق السيادي والصندوق الخدمي المزمع إنشاؤهما. وليس في الإجراءات الأخرى المتخذة بشأن الشركات المملوكة للقوات المسلحة، ما يشير إلى انعقاد النية على إفساح الطريق أمام ملكية أوسع للقطاع الخاص المصري في إدارة شركات لا اعتبارات استراتيجية تبرر استمرار سيطرة القوات المسلحة عليها، كما أن إسهامها ليس كبيرًا في نمو الناتج المحلي في مصر.
المثل البارز هنا هو الصفقة التي أبرمت لمشاركة شركة طاقة المملوكة للسيد أحمد هيكل وآخرين في ملكية شركة جديدة تكون بديلًا عن شركة وطنية التي تدير محطات توزيع للوقود. حصة شركة طاقة بحسب ما هو منشور لن تتجاوز 10% من رأسمال الشركة الجديدة، يمكن أن ترتفع بعد سنوات إلى 25% إذا وافق على ذلك الشركاء الآخرون، الذين سيملكون 90% من رأسمال الشركة الجديدة.
لا أتخذ موقفًا من دعوة الصندوق لإفساح المجال أمام القطاع الخاص، ولكن هذا هو ما التزمت به الحكومة المصرية بتوقيعها على الاتفاق مع الصندوق في 2016 وأكدت استمرار تمسكها به. ما يطالب به الاقتصاديون المصريون ومعهم رجال أعمال القطاع الخاص أن يكون سلوك الحكومة متسقًا مع تعهداتها، سواء في هذا الاتفاق مع الصندوق أو ما أعربت عنه في التعديل الأخير على وثيقة ملكية الدولة.
والمشروع المقدم إلى مجلس النواب دليل واضح على أن نمط إدارة الاقتصاد المصري في الفترة القادمة لن يتغير. وليس هناك ما يوحي بأن جهاز مستقبل مصر قدم من الدلائل ما يؤكد أن إدارته لما آلت له ملكيته كان أفضل مما سبقه.
وعندما أتيحت للمسؤولين عن الجهاز الفرصة لإقناع الرأي العام بذلك لم يوفق هؤلاء المسؤولون، مما استدعى إشارة الرئيس عن عدم كفاية ما طرحوه. فما هي التكلفة الحقيقية لما قام به الجهاز خلال السنوات الماضية منذ إنشائه؟ وما الذي حققه بناء على الأهداف التي وضعت له إن كان ثمة صياغة واضحة ومحددة لهذه الأهداف؟ وما هو أسلوب تحقيق هذه الأهداف وهل كانت باستصلاح المزيد من الأراضي أم بضم أراضٍ استصلحها مصريون بالفعل؟
لم أجد ردًا من الصندوق على مثل هذه الشكاوى.
ما تركته الدولة للحكومة
التحفظ على اتساع دور القوات المسلحة في إدارة الاقتصاد ليس مطلقًا، ولا يعني افتقاد الشعور الوطني لدى أصحابه. فلا يعترض أحد من الاقتصاديين الذين تناولوا هذا الموضوع على امتلاك القوات المسلحة مصانع لإنتاج السلاح أو حتى مشاركتها في إقامة بعض مشروعات البنية الأساسية.
ولكن الانخراط في إقامة مشروعات استصلاح الأراضي وإدارتها أو مصانع لعمل الخبز والمكرونة أو حتى تربية الأسماك، بل وفي امتلاك شركات عاملة في مجال الإعلام المرئي والمسموع، وأخيرًا في إقامة الجامعات مثل جامعة كيان التي أعلن عنها مؤخرًا، هو ما يستدعي التحفظ، فليس هذا مجالًا مناسبًا للقوات المسلحة.
آدم سميث مؤسس مدرسة الاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي ذهب إلى أن الاقتصاد الحديث يقوم على التخصص وتقسيم العمل واعتبر ذلك طريقَ الوصول إلى الرخاء، لأن التخصص يؤدي إلى تراكم الخبرة والمهارة والمعرفة بأوضاع الإنتاج وتعلم كيفية التعامل معها. وهذا ما سارت عليه الدول ذات الاقتصاد الرأسمالي.
طبعًا ترد تحفظات جادة على اقتصاد السوق أبرزها ما أوضحه الاقتصادي مجري المولد كارل بولاني وهو يبيّن بالدليل كيف يولِّد اقتصاد السوق الكثير من الأزمات ويؤدي لتدهور توزيع الدخل وانتشار البطالة، ما يستدعي تدخل الدولة عن طريق الانتقال إلى ما سُمي بدولة الرفاه، كما هو الحال في معظم الدول الرأسمالية وخصوصا ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. ما أفضّله شخصيًا، هو نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الذي تعتبر الدول الإسكندنافية سابقًا أفضل أمثلة عليه.
كما لا بد من الإشارة إلى أنه حتى في القضايا الاستراتيجية بما فيها الاستراتيجية العسكرية، نجد للخبراء المدنيين من أساتذة الجامعات والسفراء السابقين مساهمات بارزة. هناك السفير الأمريكي السابق في موسكو جورج كينان الذي اقترح استراتيجية احتواء الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن أعمق خبراء الاستراتيجية في الولايات المتحدة،
هنري كيسنجر، كان أستاذًا في جامعة هارفارد قبل أن ينتقل مستشارًا للأمن القومي مع الرئيس ريتشارد نيكسون ثم وزيرًا للخارجية، ومعظم من تعاقبوا على منصب مستشار الأمن القومي في الولايات المتحدة في الإدارات الأخيرة كانوا من المدنيين ومن أشهرهم زبيجنيو بريسنسكي الذي عمل مع الرئيس كارتر، وكونداليزا رايس التي عملت مع الرئيس جورج بوش الابن، وكانت أيضا أستاذةً جامعيةً. وأيًا كانت آراؤنا بالنسبة لمواقفهم من قضايا عالمنا العربي، فقد حظوا بالاحترام والتقدير في بلادهم لعلمهم وخبراتهم.
الجهاز في صورته الجديدة سيقوم بأدوار تؤديها الوزارات القائمة، ولكنه يتفوق عليها بحكم كونه تابعًا للسيد الرئيس. دوره في استصلاح الأراضي وزراعتها تقوم به وزارة الزراعة والتي تُسمى "وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي" ولها خبرة واسعة في هذا المجال، استيراد القمح كانت تقوم به وبنجاح وزارة التضامن. أما الدعوة لأن يكون له نشاط في تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقوي فيتقاطع مع اختصاصات وزارتي الري والبترول والطاقة المتجددة، واجتذاب الاستثمارات هو المهمة الموكلة لوزارة الاستثمار.
فلماذا نضحي بالقدرات والخبرات والمعارف التي راكمتها الوزارات والأجهزة لصالح جهاز لم يثبت بعد أنه متخصص في قضايا التنمية المستدامة، وسيضطر حتمًا للتعويل على هذه الوزارات للقيام بمهامه؟.
لا شك أن هناك قضايا أخرى جديرة بالنقاش حول هذه التعديلات، لا تسمح بها مساحة هذا المقال. وقد أعود لها في مناسبات قادمة.
*أستاذ العلوم السياسية، جامعة القاهرة

