تراجعت أسعار الذهب في السوق المصرية خلال تعاملات أمس الأحد، بالتزامن مع عودة الدولار إلى الارتفاع أمام الجنيه المصري واقترابه مجددًا من مستوى 50 جنيهًا، في وقت تواصل فيه الضغوط العالمية التأثير على المعدن الأصفر، رغم استمرار موجة الشراء القوية من جانب البنوك المركزية حول العالم، التي تنظر إلى الذهب باعتباره أحد أهم الأصول الاستراتيجية لحفظ الاحتياطيات.

 

وسجل الدولار لدى البنك المركزي المصري 49.85 جنيهًا للشراء و49.99 جنيهًا للبيع، بعدما فقد نحو جنيهين خلال الأسبوعين الماضيين، وهو ما أعاد الضغوط على الأسواق المحلية، بالتزامن مع ترقب المستثمرين لبيانات التضخم الأمريكية ومسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

 

وشهدت أسواق الصاغة المصرية موجة هبوط جديدة خلال منتصف تعاملات الأحد، حيث انخفض سعر جرام الذهب بنحو 10 جنيهات مقارنة بمستويات بداية اليوم، ليستمر مسار التصحيح الذي بدأ عقب الارتفاعات القياسية التي سجلها المعدن النفيس خلال الربع الأول من العام.

 

وقال السكرتير العام السابق لشعبة الذهب بغرفة القاهرة التجارية، نادي نجيب، إن التراجع الحالي يعود بصورة مباشرة إلى انخفاض الأسعار العالمية، إضافة إلى هدوء الطلب نسبيًا داخل السوق المحلية، موضحًا أن ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه حدّ من انتقال الانخفاض العالمي بالكامل إلى السوق المصرية.

 

من جانبه، أوضح مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية الدكتور وليد فاروق أن تسعير الذهب في مصر يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية، هي سعر الأوقية في الأسواق العالمية، وسعر صرف الدولار أمام الجنيه، والعلاوة السعرية الناتجة عن توازن العرض والطلب داخل السوق المحلية. وأضاف أن ارتفاع الدولار خلال الأيام الماضية امتص جزءًا من خسائر الذهب عالميًا، لذلك جاءت وتيرة التراجع في السوق المصرية أقل من انخفاض الأسعار في البورصات الدولية.

 

لماذا يتراجع الذهب رغم التوترات الجيوسياسية؟

 

وخلال الأسبوع الماضي، تراجع سعر غرام الذهب عيار 21 بنحو 35 جنيهًا ليغلق بالقرب من 5850 جنيهًا، فيما فقدت الأوقية العالمية نحو 56 دولارًا لتنهي تداولاتها عند حوالي 4120 دولارًا، بعد أسبوع شهد تقلبات واسعة تجاوز نطاقها السعري 180 دولارًا.

 

ورغم هذه الخسائر الأسبوعية، لا يزال الذهب يحتفظ بمكاسب منذ بداية يوليو، إذ ارتفعت أسعاره في السوق المحلية بنحو 3% مقارنة بإغلاق يونيو، كما صعدت الأوقية عالميًا بنسبة 2.6% خلال الفترة نفسها، وفق بيانات مرصد الذهب، في مؤشر على أن الأسواق تمر بمرحلة إعادة تسعير عقب التصحيح الحاد الذي شهدته خلال الربع الثاني من العام.

 

ويرى محللون أن الضغوط الحالية على الذهب تعود إلى مجموعة من العوامل، أبرزها ارتفاع الدولار الأمريكي، وصعود عوائد سندات الخزانة، إلى جانب تنامي توقعات المستثمرين باستمرار أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

 

ويشير الخبراء إلى أن التوترات الجيوسياسية لم تعد تمنح الذهب الدعم التقليدي الذي اعتاد الحصول عليه، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط الناتج عن تلك التوترات إلى زيادة المخاوف من التضخم، وهو ما عزز التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة، الأمر الذي دعم الدولار وألقى بظلاله السلبية على الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا.

 

البنوك المركزية تواصل تعزيز احتياطياتها من الذهب

 

ورغم موجة التصحيح التي تشهدها الأسواق، لا يزال الطلب الرسمي من البنوك المركزية يمثل أحد أهم عوامل الدعم للذهب عالميًا.

 

ووفقًا لأحدث بيانات مجلس الذهب العالمي، أضافت البنوك المركزية 41 طنًا إلى احتياطياتها خلال شهر مايو الماضي، تصدرتها بولندا بشراء 18 طنًا، تلتها الصين بإضافة 10 أطنان، إلى جانب مشتريات جديدة من سنغافورة وكازاخستان وأوزبكستان.

 

كما أظهر استطلاع أجراه المجلس أن 45% من البنوك المركزية تعتزم زيادة احتياطياتها من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما يتوقع نحو 90% من المشاركين استمرار نمو الاحتياطيات الرسمية عالميًا.

 

ويرى محللون أن هذا التوجه يعكس رغبة متزايدة لدى السلطات النقدية في تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، وتعزيز حيازاتها من الأصول القادرة على الحفاظ على قيمتها في ظل ارتفاع مستويات الديون العالمية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، واتساع نطاق استخدام العقوبات الاقتصادية.

 

كما تؤكد بيانات الأسواق العربية استمرار هذا الاتجاه، إذ بلغت مشتريات السعودية والإمارات ومصر والكويت نحو 41 طنًا خلال الربع الأول من عام 2026، مع تزايد الإقبال على السبائك والجنيهات الذهبية مقارنة بالمشغولات، باعتبارها أدوات أكثر كفاءة للادخار والاستثمار.

 

وفي مصر، تجاوزت مشتريات السبائك والجنيهات الذهبية مشتريات المشغولات للمرة الأولى بين أكبر الأسواق العربية، في مؤشر يعكس تحول سلوك المستهلكين نحو الاستثمار والادخار، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتقلبات الأسواق.