لم تعد أزمة امتحانات «أبناؤنا في الخارج» مجرد شكاوى متفرقة من بطء منصة إلكترونية أو صعوبة مؤقتة في تسجيل الدخول، بل تحولت إلى واقعة مكتملة الأركان تهدد مستقبل آلاف الطلاب المصريين المقيمين خارج البلاد، بعدما تسببت أعطال تقنية متكررة في خروج الطلاب من الاختبارات، وعدم ظهور الأسئلة، وفشل حفظ الإجابات، واحتساب بعضهم غائبًا أو راسبًا رغم عدم تمكنهم أصلًا من أداء الامتحان بصورة طبيعية.
وبينما دفعت كل أسرة رسومًا تبلغ 152.5 دولار عن كل طالب، لم توفر وزارة التربية والتعليم منصة مستقرة، ولا دعمًا فنيًا قادرًا على التدخل، ولا آلية واضحة لحماية حقوق الطلاب عند وقوع الأعطال. وبدلًا من محاسبة المسؤولين عن إطلاق نظام غير جاهز، تُرك أولياء الأمور يواجهون نتائج رسوب وغياب وحجب درجات، ثم طُلب منهم اللجوء إلى التظلمات وانتظار مراجعات لا يعرف أحد متى تتم أو وفق أي معايير.
الأزمة طالت طلاب الصفين الأول والثاني الإعدادي، وكذلك طلاب الصفين الأول والثاني الثانوي، وأثارت حالة واسعة من الغضب والقلق بين الأسر المصرية في الخارج، خصوصًا مع اقتراب امتحانات الدور الثاني، في ظل غياب أي ضمانات حقيقية تؤكد أن المنصة أصبحت جاهزة أو أن المشكلات السابقة لن تتكرر.
ويطالب أولياء الأمور وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف بالتدخل الفوري، وفتح تحقيق جاد في أسباب الأعطال، وإعادة تقييم درجات المتضررين، وعدم تحميل الطلاب نتائج فشل فني وإداري لم يكونوا طرفًا فيه.
الطلاب يدفعون ثمن منصة أُطلقت قبل اكتمالها
تكشف شهادات أولياء الأمور أن الوزارة أتاحت المنصة الإلكترونية الجديدة للتجربة لمدة ثلاثة أيام فقط قبل انطلاق الامتحانات، وهي مدة لا تكفي لاختبار نظام يُفترض أن يخدم أعدادًا كبيرة من الطلاب المقيمين في دول مختلفة، ويعمل عبر شبكات إنترنت وظروف تقنية متفاوتة.
وقالت ولاء إبراهيم، إحدى المسؤولات عن مجموعات «أبناؤنا في الخارج»، إن الفترة القصيرة التي خُصصت لتجربة المنصة لم تسمح باكتشاف المشكلات الفنية أو التعامل معها، وهو ما ظهر بوضوح منذ الأيام الأولى للامتحانات.
فعدد من الطلاب لم يتمكنوا من تسجيل الدخول إلى المنصة، بينما استطاع آخرون الدخول ثم فوجئوا بفتح الاختبار وإغلاقه تلقائيًا، أو بعدم ظهور الأسئلة، أو بخروج النظام بصورة مفاجئة، قبل أن يتم احتساب المحاولة وكأن الطالب أدى الامتحان بالفعل.
وفي حالات أخرى، تمكن الطلاب من الإجابة، لكن المنصة فشلت في حفظ الإجابات أو رفعها، لتتحول ساعات الاستعداد والمذاكرة إلى نتيجة رسوب أو غياب بسبب عطل تقني لا يملكون السيطرة عليه.
ولا يمكن اعتبار ما حدث مجرد أخطاء تشغيلية محدودة، لأن تكرار الوقائع وتشابهها بين طلاب في دول مختلفة يشير إلى خلل بنيوي في المنصة وطريقة اختبارها وإطلاقها. فحين تختار الوزارة تطبيق نظام جديد قبل الامتحانات بأيام، دون تجربة موسعة أو خطة بديلة، فإنها تتحمل كامل المسؤولية عن النتائج المترتبة على فشله.
وكان نظام امتحانات «أبناؤنا في الخارج» قد مر بعدة مراحل، بدءًا من الامتحانات الإلكترونية خلال جائحة كورونا، ثم الاعتماد على تحميل ملفات الأسئلة ورفع الإجابات، قبل أن تقرر الوزارة إطلاق منصة إلكترونية جديدة خلال الفصل الدراسي الثاني من عام 2026. إلا أن عملية الانتقال تمت على نحو مرتبك، وكأن الطلاب تحولوا إلى حقل تجارب لنظام لم يثبت استقراره بعد.
دعم فني غائب ونتائج مشوهة
بعد وقوع الأعطال، تقدم أولياء الأمور بشكاوى إلى الدعم الفني، وطالبوا بإعادة فتح الاختبارات للطلاب الذين لم يتمكنوا من أدائها، أو مراجعة سجلات الدخول والخروج وحفظ الإجابات. لكن كثيرًا منهم أكدوا أنهم لم يتلقوا استجابة فعلية تعيد لأبنائهم حقهم.
وبعد إعلان النتائج، ظهرت أخطاء جرى تصحيح بعضها لطلاب الصف الثاني الإعدادي والثاني الثانوي في مادة الرياضيات فقط، بينما بقيت نتائج الرسوب في مواد أخرى دون مراجعة واضحة، رغم وجود شكاوى سابقة تؤكد وقوع أعطال أثناء الامتحانات.
وتقدمت أسر عديدة بتظلمات، خاصة في الحالات التي ظهر فيها الطالب راسبًا في جميع المواد، وهي نتائج تثير الشكوك، ولا تعكس المستوى الدراسي الحقيقي للطلاب، خصوصًا عندما تثبت الأسر أن أبناءها لم يستطيعوا فتح الامتحان أو استكماله بسبب عطل في المنصة.
المثير للغضب أن الوزارة تملك تقنيًا القدرة على مراجعة سجلات المستخدمين، وأوقات الدخول، ومدة بقاء الطالب داخل الاختبار، ومحاولات حفظ الإجابات، والانقطاعات التي وقعت أثناء الجلسة. ومع ذلك، لم تعلن حتى الآن عن مراجعة شاملة لهذه السجلات، أو تشكيل لجنة فنية مستقلة لحصر الحالات المتضررة.
وبذلك أصبح الطالب مطالبًا بإثبات أنه لم يرسب، بدلًا من أن تكون الوزارة مطالبة بإثبات أن منصتها عملت بصورة سليمة.
كما يواجه الطلاب مشكلات أخرى، من بينها تأخر تفعيل البريد الإلكتروني الموحد، وصعوبة رفع الإجابات، وضعف استجابة الدعم الفني، وحجب النتائج أو أرقام الجلوس بسبب نقص أوراق أو مستندات، بما يعكس غياب منظومة متكاملة تراعي ظروف المصريين المقيمين خارج البلاد.
ويرى أولياء الأمور أن العودة مؤقتًا إلى المنصة القديمة الخاصة برفع الاختبارات ستكون أكثر أمانًا وعدالة، بعدما أثبتت استقرارًا وسهولة أكبر مقارنة بالنظام الحالي، على أن يجري تطوير المنصة الجديدة واختبارها طوال العام الدراسي قبل إعادة استخدامها رسميًا.
مستقبل الطلاب ليس تجربة رقمية
قال الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، إن طلاب «أبناؤنا في الخارج» يواجهون مشكلات تقنية وإجرائية تؤثر بصورة مباشرة على سير الامتحانات، في وقت ينصب فيه الاهتمام الرسمي والإعلامي بصورة أكبر على امتحانات الثانوية العامة داخل مصر.
وأشار إلى أن أعطال النظام، وفشل الطلاب في أداء الاختبارات، وصعوبة رفع الإجابات، وتأخر الدعم الفني، ومشكلات البريد الإلكتروني الموحد، وحجب النتائج وأرقام الجلوس، تمثل ضغوطًا متراكمة على الطلاب وأسرهم.
ولا تتوقف آثار الأزمة عند نتيجة امتحان أو إعادة مادة، بل تمتد إلى الحالة النفسية للطالب، الذي يدخل الاختبار وهو خائف من تعطل المنصة أكثر من خوفه من الأسئلة. كما تؤدي هذه الأوضاع إلى ارتفاع مستويات التوتر والقلق، وانخفاض الدافعية والحماس، وفقدان الثقة في عدالة نظام التقييم.
فالطالب الذي يستعد طوال العام ثم يُسجل غائبًا لأن المنصة أخرجته، أو يُعلن رسوبه لأن إجاباته لم تُحفظ، يتلقى رسالة مدمرة مفادها أن جهده لا قيمة له أمام خلل إلكتروني لا يجد من يحاسَب عليه.
لذلك، لم يعد كافيًا إصدار بيانات عامة عن متابعة الشكاوى أو مطالبة الأسر بتقديم تظلمات جديدة. المطلوب هو وقف اعتماد النتائج محل النزاع، وتشكيل لجنة فنية وتعليمية عاجلة لمراجعة سجلات المنصة، وإعادة فتح الاختبارات للطلاب الذين ثبت تعذر دخولهم أو حفظ إجاباتهم، مع إعلان نتائج التحقيق ومحاسبة المسؤولين عن إطلاق النظام قبل التأكد من جاهزيته.
كما يتعين على الوزارة تأجيل امتحانات الدور الثاني للطلاب المتضررين إلى حين الفصل في تظلماتهم، لأن إجبار طالب على دخول دور ثانٍ بناءً على نتيجة صادرة عن منصة معطلة يمثل عقابًا إضافيًا له على خطأ لم يرتكبه.
إن أبناء المصريين في الخارج ليسوا طلابًا من درجة ثانية، ولا يجوز أن تتحول رسومهم الدولارية إلى مقابل لخدمة تقنية مضطربة ودعم فني صامت. وما حدث لا يحتاج إلى تبريرات جديدة، بل إلى اعتراف واضح بالفشل، وتصحيح فوري للنتائج، وضمان عدم ضياع عام دراسي كامل بسبب «سيستم» غير مؤهل لإدارة امتحان.

