أقرت حكومة الانقلاب تشكيل لجنة وزارية من 4 وزارات لتطبيق البصمة المائية على الصناعات الغذائية، وسط فجوة مائية تبلغ 23.2 مليار متر مكعب سنوياً، ونتيجة متوقعة هي أعباء جديدة على تكاليف الإنتاج.

 

وفي المقابل، لا تبدو الخطوة مجرد إجراء فني لترشيد المياه، بل حلقة جديدة في إدارة الأزمات من جيب المواطن وصاحب المصنع، بينما تتجاهل السلطة جذور الشح المائي وتحوّل الفاتورة إلى الصناعة والعمال والأسواق.

 

ندرة المياه وفاتورة الصناعة

 

وبالتالي، يتقدم مفهوم البصمة المائية باعتباره أداة لقياس المياه اللازمة لإنتاج الغذاء، لكنه في التطبيق المصري قد يتحول إلى رخصة بيروقراطية جديدة، تربط استمرار المصنع بقدرته على تمويل نظم معالجة باهظة.

 

كما أن اللجنة الوزارية تضم الري والزراعة والصناعة والتموين، وتتولى وضع الأكواد وتصنيف المنتجات حسب استهلاك المياه والقيمة المضافة، ما يعني انتقال القرار الصناعي من منطق الاستثمار إلى منطق الموافقات الحكومية الثقيلة.

 

لذلك، يرى الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، أن الفجوة المائية البالغة 23.2 مليار متر مكعب تفرض إدماج البصمة المائية في التخطيط، غير أن السؤال الغائب هو من سيدفع كلفة هذا الإدماج.

 

ومن ثم، يصبح الخطر أن تستخدم الحكومة أزمة المياه لفرض مسار تصحيحي قاس على المصانع، دون إعلان دراسات أثر واضحة، أو تمويل ميسر، أو حماية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة من الانسحاب القسري.

 

غير أن الصناعات الغذائية ليست ترفاً اقتصادياً، فهي تضيف قيمة للمحاصيل وتخلق فرص عمل وتدعم الصادرات، وأي تضييق غير محسوب عليها يعني ضرب حلقة كاملة تبدأ من الفلاح وتنتهي بسعر الغذاء.

 

علاوة على ذلك، فإن إلزام المصانع الجديدة والقائمة تدريجياً بتدوير الصرف الصناعي وإعادة استخدامه قد يبدو بيئياً، لكنه يتحول إلى عقوبة إذا غابت الحوافز الضريبية والقروض الميسرة والمهل الواقعية للتوفيق.

 

بناءً على ذلك، لا يكفي أن تعلن الحكومة أكواداً تنظيمية، بل يجب أن تعلن كلفتها وجدولها وتأثيرها على الأسعار، لأن المواطن في النهاية هو الطرف الأضعف الذي يدفع الزيادة من راتبه المنهك.

 

الصادرات بين القيود والتنافسية

 

في السياق ذاته، حذر الدكتور أيمن محسب، وكيل اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، من تداعيات تطبيق المعايير على الإنتاج والاستثمارات والصادرات، مطالباً الحكومة بإعلان دراسات الأثر الاقتصادي قبل تحويل القرار إلى التزام عام.

 

ومع ذلك، تتعامل السلطة كأن الصناعة قادرة على امتصاص أي تكلفة جديدة، بينما يعاني القطاع من تضخم وتمويل مرتفع ومدخلات إنتاج مستوردة، ما يجعل أي شرط إضافي خصماً مباشراً من القدرة التنافسية.

 

إلى جانب ذلك، قد تتحول البصمة المائية إلى عائق غير جمركي أمام المنتجات المصرية في بعض الأسواق، إذا لم تستطع المصانع إثبات الامتثال لمعايير الاستدامة، أو إذا ارتفعت تكاليف الشهادات والرقابة والتتبع.

 

ومن ناحية أخرى، يصبح الحديث عن زيادة الصادرات وتعميق التصنيع المحلي متناقضاً مع تحميل المنتجين أعباء غير ممولة، لأن الدولة لا تستطيع أن تطلب من المصنع التوسع ثم تحاصره بتكاليف تنظيمية مفاجئة.

 

ومع زيادة الضغط، قد تتضرر المصانع العاملة في تصنيع المحاصيل كثيفة المياه مثل الأرز والسكر وبعض الخضروات، ما يفتح الباب أمام تقليص خطوط إنتاج أو رفع أسعار أو تأجيل توسعات كانت تستهدف التصدير.

 

في المقابل، كان يمكن تحويل البصمة المائية إلى فرصة لو أعلنت الحكومة برنامجاً انتقالياً واضحاً، يبدأ بالمصانع الأعلى استهلاكاً، ويمول التكنولوجيا النظيفة، ويكافئ من يخفض المياه بدلاً من معاقبة الجميع بسلة واحدة.

 

وعليه، فإن الأزمة ليست في القياس ذاته، بل في طريقة الحكم التي تسبقها القرارات وتتأخر عنها الشفافية، فيجد المستثمر نفسه أمام معايير تتغير فجأة، وسوق مرتبكة، ومواطن يخشى ارتفاع أسعار الغذاء.

 

الزراعة أولا وعدالة الترشيد

 

في المقابل، تشير البيانات المتداولة إلى أن الزراعة تستهلك نحو 80% من الموارد المائية، بينما لا تتجاوز الصناعة 5%، ما يجعل تحميل الصناعات الغذائية العبء الأكبر سياسياً غير عادل واقتصادياً محدود الأثر.

 

كذلك، قال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، إن 80% من المياه تذهب للزراعة، ودعا إلى تعظيم العائد من كل متر مكعب وتطبيق البصمة المائية في التخطيط الزراعي والتصديري.

 

ومن هنا، فإن البداية المنطقية ليست خنق المصنع، بل إصلاح منظومة الري، وتقليل الفاقد، وتغيير نمط المحاصيل، لأن الهدر الأكبر يقع في الحقول لا في خطوط التعبئة والتصنيع وحدها.

 

ثم إن ربط الصناعات الغذائية بالمناطق الزراعية القريبة من المواد الخام قد يقلل الفاقد والنقل، لكنه يحتاج بنية تحتية وطاقة ومياه معالجة وطرقاً، لا مجرد توجيه إداري يضاف إلى دفاتر الالتزامات.

 

فضلاً عن ذلك، يلفت الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، إلى معاناة مصر من ندرة مائية وشح في الأمطار والمياه الجوفية، ما يعزز ضرورة الحلول الشاملة لا الإجراءات الجزئية.

 

غير أن السلطة التي أهملت التخطيط العادل للمياه لا يحق لها أن تختصر الأزمة في المصنع، لأن الأمن المائي لا ينفصل عن الأمن الغذائي، ولا عن حق الناس في عمل وسعر عادل.

 

لذلك، فإن أي خطة تنفيذية جادة يجب أن تبدأ بإعلان دراسات الأثر الاقتصادي، وحجم الاستثمارات المطلوبة، ومصادر التمويل، والقطاعات الأكثر تأثراً، حتى لا يتحول الترشيد إلى غطاء رسمي لتقليص الإنتاج.

 

وبالمثل، يجب أن تتضمن الخطة حوافز للمصانع التي تعيد استخدام المياه، وتسهيلات جمركية لاستيراد معدات المعالجة، ومناطق صناعية مزودة بمرافق مركزية، بدلاً من ترك كل مصنع وحيداً أمام التكلفة.

 

كذلك، يتعين نشر الأكواد التنظيمية قبل التطبيق بوقت كاف، وإخضاعها لحوار عام مع اتحاد الصناعات وغرفة الصناعات الغذائية والمزارعين والمصدرين، لأن القرار المغلق ينتج مقاومة وارتباكاً ويدفع الاستثمار إلى الهروب.

 

وفي النهاية، تكشف البصمة المائية عن مأزق أعمق من ندرة المياه، إذ تحاول الحكومة إدارة الشح بأدوات الجباية والوصاية، بينما تحتاج مصر إلى عدالة في الترشيد وشفافية في القرار وحماية للإنتاج والناس.