تُعد الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة (الهجرة الثانية بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة) حدثًا تاريخيًا عظيمًا في مسيرة الإسلام، فقد كانت نقطة انطلاق لتأسيس الدولة الإسلامية وانتشار الدعوة بعد أن كانت محصورة في مكة المكرمة.

 

ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الهجرة النبوية، لا باعتبارها مجرد حدث تاريخي، بل لما تحمله من دروس عظيمة وفوائد وعِبر، يمكن للمسلمين الاستفادة منها في حياتهم.
فقد سبقت الهجرة إلى المدينة مرحلة طويلة من التمهيد والإعداد والتخطيط، وكان ذلك كله بتقدير الله تعالى وحكمته، وشمل جانبين أساسيين: إعداد المهاجرين، وتجهيز المكان الذي ستنتقل إليه الدعوة.

 

إعداد شخصية المهاجرين


لم تكن الهجرة أمرًا يسيرًا أو رحلة عادية، بل كانت تعني ترك الوطن والأهل ومصادر الرزق، والتخلي عن كل ما يربط الإنسان بمكانه من أجل الحفاظ على العقيدة ونصرة الدين، ولذلك احتاجت إلى إعداد إيماني ونفسي عميق حتى يصل المهاجرون إلى درجة اليقين والاستعداد الكامل لهذه الخطوة.

 

ومن أبرز وسائل هذا الإعداد: التربية الإيمانية المستمرة، وما تعرض له المؤمنون من اضطهاد وأذى، كما تناول القرآن الكريم الحديث عن الهجرة، وأشار إلى سعة أرض الله، قال تعالى:

 

{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمنوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ *} [الزمر: 10].

 

الإعداد في يثرب


نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبادر بالانتقال إلى الأنصار منذ بداية الأمر، بل انتظر أكثر من عامين، حتى تأكد من اكتمال استعدادهم لاستقبال الدعوة والنبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك بعد أن طلبوا منه الهجرة إليهم.

 

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق 


بعد فشل قريش في منع الصحابة رضي الله عنهم من الهجرة إلى المدينة، أدركت خطورة الأمر، وخشيت على مصالحها ونفوذها، فاجتمع زعماؤها في دار الندوة للتشاور حول كيفية القضاء على قائد الدعوة.

 

قال تعالى:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ *} [الأنفال: 30]

فأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة.

 

الترتيب النبوي للهجرة


ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه وقت الظهيرة، وكان متقنعًا على غير عادته، فقال لأبي بكر رضي الله عنه: «أخْرِجْ من عندك»
فقال أبو بكر: إنَّما هم أهلك.
قال: «فإنِّي قد أُذِنَ لي في الخروج»
فقال أبو بكر: الصُّحبةَ بأبي أنت يا رسول الله!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم».

 

خروج الرسول صلى الله عليه وسلم ووصوله إلى الغار

 

لم يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر رضي الله عنهم.

 

أما علي رضي الله عنه، فقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقاء في مكة حتى يؤدي الودائع التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم للناس.

 

عناية الله سبحانه وتعالى ورعايته لرسوله 


على الرغم من اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم جميع الأسباب الممكنة في رحلة الهجرة، فإنه لم يعتمد عليها وحدها، بل كان قلبه متعلقًا بالله تعالى، واثقًا بنصره، دائم الدعاء.

قال تعالى:
{وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيرًا} [الإسراء: 80].

 

خيمة أم معبد في طريق الهجرة


وفي أثناء الطريق إلى المدينة، مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد في منطقة قُدَيْد حيث كانت مساكن خزاعة، وهي أخت خُنَيْس بن خالدٍ الخزاعيِّ، الذي نقل قصتها، وقد قال عنها ابن كثير: «وقصَّتها مشهورةٌ مرويَّةٌ من طرقٍ يشدُّ بعضها بعضاً». [حديث أم معبد: رواه الطبراني في الكبير (3605)].

 

وكانت هذه الحادثة من المواقف البارزة في رحلة الهجرة، لما ظهر فيها من بركة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كانت أم معبد لا تملك إلا شاة ضعيفة لا تكاد تُدرُّ لبنًا، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها ودعا الله تعالى، فامتلأ ضرعها باللبن، فشرب منها الجميع، وكانت هذه الحادثة من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.

 

سراقة بن مالك يلاحق النبي 


بعد أن علمت قريش بخروج النبي صلى الله عليه وسلم، أعلنت في مجالسها أن من يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم حيًّا أو ميتًا فله مائة ناقة، فطمع سراقة بن مالك بن جُعْشُم في الحصول على هذه المكافأة، وخرج يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه.

 

وقد ورد في الصحيح أن فرس سراقة عثرت به أكثر من مرة، حتى أدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظ بعناية الله، وفي ذلك يقول سراقة:

"فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي؛ حتَّى جئتُهم، ووقع في نفسي حين لَقِيتُ ما لَقِيتُ من الحبس عنهم، أن سَيظهرُ أمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إنَّ قومك قد جعلوا فيك الدِّية، وعرضت عليهم الزَّاد والمتاع، فلم يَرْزاني، ولم يسألاني، إلا أن قال: أخْفِ عنا، فسألته أن يكتب لي كتابَ أمنٍ، فأمرَ عامرَ بن فهيرة، فكتب في رقعةٍ من أدَمٍ، ثُمَّ مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. [البخاري (3906) ومسلم (2009/91)].

 

فوائد ودروس وعِبر من الهجرة النبوية


تقدم لنا الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة مجموعة عظيمة من الدروس والفوائد والعِبر، ومن أبرزها:


1- الصراع بين الحق والباطل صراع قديم ومستمر

 

فالصراع بين أهل الحق وأهل الباطل سنة من سنن الله تعالى، قال عز وجل:
{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ *} [الحج: 40].

 

ولكن هذا الصراع مهما طال فإن عاقبته معلومة، قال تعالى:
{كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ *} [المجادلة: 21].

 

2- مكر خصوم الدعوة بالداعية أمر متكرر ومستمر


فقد يتعرض الدعاة إلى الحبس أو القتل أو النفي، ولذلك يجب على الداعية أن يلجأ إلى الله تعالى، ويثق به، ويتوكل عليه، ويعلم أن المكر السيئ لا يعود إلا على أصحابه.

قال عز وجل:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ *} [الآنفال: 30].

 

3- دقة التخطيط والأخذ بالأسباب


من يتأمل حادثة الهجرة يجد مدى دقة التخطيط فيها، فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكل الأسباب الممكنة، وهذا يؤكد أن التخطيط المحكم جزء من السنة النبوية، وأن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل على الله.

 

فالاعتماد على العفوية وترك التخطيط بحجة أنه ليس من السنة أمر غير صحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطط لكل خطوة بدقة، مع كامل اعتماده على الله تعالى.

 

4- الأخذ بالأسباب أمر ضروري


لقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل الأسباب، واتخذ جميع الوسائل المتاحة، ولكنه في الوقت نفسه كان دائم التعلق بالله تعالى، يدعوه ويطلب منه التوفيق والنصر.

ولهذا تحقق النجاح، فبعد أن وصل المشركون إلى باب الغار انصرفوا، ونجا النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، كما نجت فرس سراقة بعد أن سُيّرت لها أسباب الحفظ بإذن الله.

 

5- الإيمان بالمعجزات الحسية


شهدت رحلة الهجرة النبوية عددًا من المعجزات الحسية، وكانت هذه المعجزات دلائل واضحة على حفظ الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ورعايته له.

 

ومن ذلك ما ورد من نسيج العنكبوت على باب الغار، وما حدث مع أم معبد، وما وقع لسراقة بن مالك، فعلى الدعاة أن يذكروا هذه الخوارق ما دامت ثابتة في السنة النبوية، مع بيان أنها من دلائل نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام.

 

6- جواز الاستعانة بالكافر المأمون


يجوز للمسلمين الاستعانة بمن لا يؤمنون بالدعوة إذا كان محل ثقة وأمانة، فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه استعانا برجل مشرك ليدلهما على الطريق خلال الهجرة، ودفعا إليه راحلتيهما، وحددا معه موعد اللقاء عند غار ثور.

 

وهذه أمور مهمة وخطيرة لم يكونا ليطلعا عليها أحدًا إلا إذا كان محل ثقة وأمان.

 

7- دور المرأة المسلمة في الهجرة


برزت خلال الهجرة النبوية أسماء كثيرة كان لها دور عظيم في إنجاح هذه الرحلة المباركة، ومنهن عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها التي حفظت تفاصيل القصة ونقلتها للأمة، وأم سلمة المهاجرة الصابرة، وأسماء ذات النطاقين التي كان لها دور بارز في تجهيز الطعام والمؤن للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أثناء وجودهما في الغار.

 

8- الداعية يعف عن أموال الناس


كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا في العفة والبعد عن أخذ أموال الآخرين بغير حق، فلم يقبل أن يركب الراحلة التي قدمها له أبو بكر رضي الله عنه إلا بعد أن اشتراها منه.

كما أنه عندما عرض سراقة بن مالك المساعدة على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حاجة لي فيها».

 

9- الجندية الرفيعة والبكاء من الفرح


تكشف الهجرة النبوية عن أثر التربية النبوية في إعداد الرجال، ويتجلى ذلك في مواقف أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

فأبو بكر رضي الله عنه عندما أراد الهجرة إلى المدينة، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعجل؛ لعلَّ الله يجعل لك صاحباً»

فبدأ في تجهيز نفسه وإعداد راحلتيه انتظارًا للإذن بالهجرة.


أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد ضرب مثالًا رائعًا في التضحية والفداء، عندما نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم معرضًا نفسه للخطر، لأن سلامة القائد تعني سلامة الدعوة، وفقدانه يمثل خطرًا كبيرًا عليها.

10- وضوح سنة التدرج


يتضح من أحداث الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير وفق منهج التدرج في الدعوة، فعندما التقى بطلائع الأنصار الأولى لم يكن منه إلا دعوتهم إلى الإسلام وتلاوة القرآن عليهم.

 

ثم لما جاءوا في العام التالي كانت بيعتهم على العبادات والأخلاق والفضائل، حتى جاءت بيعة العقبة الثانية التي تضمنت الجهاد والنصرة والإيواء.

 

11- الهجرة تضحية عظيمة في سبيل الله


كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة المكرمة تضحية عظيمة، فقد تركوا الوطن والأهل والأموال من أجل نصرة الدين.

 

وقد عبَّر النبي صلى الله عليه وسلم عن شدة تعلقه بمكة عند خروجه منها فقال:

«والله! إنك لخير أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرِجت منك ما خرجتُ» [أحمد (4/305) والترمذي (3925) وابن ماجه (3108)].

 

لقد كانت الهجرة النبوية تحولًا كبيرًا في تاريخ الإنسانية، فقد غيرت مجرى التاريخ، ونقلت المسلمين إلى مرحلة جديدة، وأثرت في مختلف جوانب الحياة من عقائد ونظم وأخلاق وسلوك ومعرفة.

 

وهذه بعض الفوائد والدروس والعبر المستفادة من هذا الحدث العظيم، ويبقى المجال مفتوحًا لاستخراج المزيد من المعاني والدروس النافعة من الهجرة النبوية المباركة.

 

التخطيط الجيد والأخذ بالأسباب


تظهر في أحداث الهجرة عظمة التخطيط النبوي، فقد أعد النبي صلى الله عليه وسلم لكل أمر عدته، فاختار الوقت المناسب، والصاحب المناسب، والطريق الأنسب، واستفاد من الطاقات الموجودة بأفضل صورة ممكنة.

 

فكان صاحبه في الهجرة أبو بكر رضي الله عنه، وهو أول من أسلم، والذي سخّر كل إمكاناته لخدمة الإسلام والدعوة منذ بدايتها، وقد فرح باختيار النبي صلى الله عليه وسلم له ليكون رفيقه في هذه الرحلة حتى بكى من شدة الفرح رضي الله عنه.

كما كان قد أعد الراحلتين اللتين سيهاجران عليهما.


أما اختيار الوقت، فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقت الظهيرة، وهو وقت لا يخرج فيه الناس عادة بسبب شدة الحر، ولم يكن ذلك من عادته صلى الله عليه وسلم، لكنه اختاره حرصًا على عدم لفت الأنظار.

 

وكان الخروج ليلًا، ومن باب خلفي في بيت أبي بكر، في صورة تؤكد شدة الحرص على السرية وكتمان الأمر، حتى عن بعض المقربين.

 

اختيار المكان والطريق المناسب


أما عن اختيار المكان والطريق المناسب، فقد ظهر ذلك بوضوح في اختيار النبي صلى الله عليه وسلم طريقًا غير مألوف للوصول إلى المدينة، فقد كان يعلم أن قريشًا ستكثف البحث عنه، وأن الطريق المتوقع هو الطريق الرئيسي المتجه شمالًا نحو المدينة، لذلك اتجه في طريق مخالف تمامًا، نحو الجنوب حتى وصل إلى جبل ثور.

 

وكان جبل ثور مكانًا شديد الوعورة، صعب الوصول، كثير الحجارة، حتى إن قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثرتا من شدة السير، ثم اختار غار ثور مكانًا للاختباء فيه، لأنه مكان بعيد لا يتوقع المشركون وصوله إليه.

 

توظيف الطاقات


ومن صور التخطيط الدقيق في الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع كل شخص في المكان المناسب، واستفاد من قدرات من حوله لخدمة الهدف.

 

فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينام في فراشه حتى يضلل القوم، وأن يؤدي الودائع التي كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابها، ثم يلحق به بعد ذلك.

 

وهذا عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، كان يقوم بدور نقل الأخبار، فيبقى بين الناس في مكة، يستمع إلى ما يدبره المشركون، ثم ينقل الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه.

 

وهذا عامر بن فهيرة رضي الله عنه، كان يرعى الغنم في نفس الطريق الذي يسلكه عبد الله بن أبي بكر، ليزيل آثار الأقدام ويخفي مسار الحركة، كما كان يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه باللبن.

 

وهذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، التي قامت بتجهيز الطعام وحمله إلى الغار.

أما عبد الله بن أريقط، فكان دليل الرحلة وخبير الطريق، وقد انتظر الإشارة للانطلاق بالركب من غار ثور إلى يثرب.

 

التوكل على الله تعالى


لقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل الأسباب الممكنة، وأعد للهجرة إعدادًا كاملًا، وخطط لها بدقة، لكنه لم يعتمد على الأسباب وحدها، بل كان قلبه متعلقًا بالله تعالى، متوكلًا عليه.

فعندما وصل المشركون إلى باب الغار، قال أبو بكر رضي الله عنه: لو أنَّ أحدهم نظر تَحْت قدمَيْه لأبصرنا!

فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ظَنُّك يا أبا بكر باثْنَيْن اللهُ ثالثُهما؟).

وهذا يدل على قوة يقينه بالله وشدة توكله عليه.


إن التوكل عبادة عظيمة من أعمال القلوب، ويترتب عليها الخير في الدنيا والآخرة، وقد ظهر ذلك أيضًا عندما لحق بهما سراقة بن مالك، فقد روى الصديق رضي الله عنه فقال:

"ارتَحَلْنا والقَومُ يَطْلُبونا، فلمْ يُدرِكْنا مِنهُم غيرُ سُراقةَ بنِ مالكِ بنِ جُعْشُمٍ على فَرَسٍ له، فقلْتُ: هذا الطَّلَبُ قد لَحِقَنا يا رسولَ اللهِ، قال: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التوبة: 40].
فلمَّا أنْ دَنَا فكان بيْننا قِيدَ رُمْحٍ أو ثلاثةٍ، قلْتُ: هذا الطَّلَبُ قد لَحِقَنا يا رسولَ اللهِ، وبكَيْتُ، فقال: (ما يُبكِيكَ؟) فقلْتُ: أمَا واللهِ ما على نَفْسي أَبكِي، ولكنِّي أَبكِي علَيكَ. قال: فدَعَا علَيهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: اللَّهمَّ اكْفِناهُ، قال: فساخَتْ بهِ فَرَسُه في الأرضِ إلى بَطنِها، فوَثَبَ عنها، ثمَّ قال: يا محمَّدُ، قد عَلِمتُ أنَّ هذا عمَلُك، فادْعُ اللهَ أنْ يُنجِّيَني ممَّا أنا فيهِ، فواللهِ لَأُعَمِّيَنَّ على مَن وَرائي مِنَ الطَّلَبِ".

 

التضحية


من أعظم الدروس التي تقدمها الهجرة النبوية درس التضحية في سبيل الله ونصرة الدين، فقد اضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مغادرة بلده التي ولد فيها ونشأ، وترك أحب الأماكن إلى قلبه، فقال عند خروجه منها:

 

(واللهِ إنَّك لَخيْر أرْض الله، وأحبُّ أرْض الله إلى الله، ولوْلا أنِّي أُخْرِجْت منْك ما خرجْتُ).

 

كما قدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه نموذجًا رائعًا في الفداء والتضحية، عندما علم أن المشركين اجتمعوا عند باب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون خروجه، ومع ذلك نام في فراشه وارتدى بردته، معرضًا نفسه للخطر من أجل حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وكذلك أم سلمة رضي الله عنها قدمت مثالًا عظيمًا في الصبر والتضحية، فقد تعرضت للفراق عن زوجها وابنها أثناء الهجرة، وتحملت ألم الابتعاد حتى جمع الله شملها بهم في المدينة.

وقد روت رضي الله عنها:


"لَمَّا أجْمَع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رَحَّل بعيرًا له، وحَملَنِي وحَمل معي ابنَه سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلمَّا رآه رجالُ بني المغيرة بن مَخْزوم، قاموا إليه فقالوا: هذه نفْسُك غلبْتَنا عليها، أرأيتَ صاحبتنا هذه، علامَ نترُكك تسير بها في البلاد؟ فأَخذوني، وغَضِبَتْ عند ذلك بنو عبد الأسد، وأهوَوْا إلى سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها؛ إذْ نزعتُموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابنِي سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبدالأسد، وحبسَنِي بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتَّى لحق بالمدينة، ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني، فمكثَتْ رضي الله عنها سنة كاملة تبكي، حتَّى أشفقوا من حالِها، فخلَّوْا سبيلها، ورَدُّوا عليها ابنها، فجمع الله شَمْلَها بزوجها في المدينة".

 

التضحية بالمال


ومن صور التضحية التي ظهرت في الهجرة النبوية التضحية بالمال، ويتجلى ذلك في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد أخذ ماله كله معه عند خروجه للهجرة، ولم يترك لأهله منه شيئًا.

قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها:
"لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله، وكان خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فانطلق به معه. قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه! قالت: قلت: كلا يا أبت! إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً، قالت: فأخذت أحجاراً، فوضعتها في كوة في البيت، التي كان أبي يضع أمواله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال! قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إذا ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا بلاغ لكم! ولا والله ما ترك لنا أبي شيئاً، ولكنني أردت أن أسكّن الشيخ."

 

كما ظهر نموذج آخر للتضحية بالمال في موقف صهيب الرومي رضي الله عنه، فقد لما أراد الهجرة اعترضه كفار قريش، وقالوا له:

"أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالُك عندنا، وبلَغْتَ الذي بلغت، ثم تريد أن تَخْرج بِمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك"

فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلون سبيلي؟

قالوا: نعم.

قال: فإنِّي قد جعلتُ لكم مالي.

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(رَبِح صهيب).

 

وفي النهاية، فإن المهاجرين جميعًا قدموا أعظم صور التضحية، فقد تركوا الوطن والبيوت والأموال ابتغاء مرضاة الله ونصرة دينه، وقد وصفهم الله تعالى بقوله:

{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}(الحشر: 8).

فكانت الهجرة في حقيقتها قمة التضحية بالدنيا من أجل الفوز بالآخرة.

 

الهجرة النبوية.. ذكرى تحمل معاني النصر والتحول


بينما ينظر البعض إلى الهجرة النبوية باعتبارها ذكرى عطرة تتجدد كل عام، فإن أصحاب البصيرة يرون فيها حدثًا عظيمًا يحمل معاني النصر والانتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة جديدة من القوة والتمكين.

 

فلم تكن الهجرة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ المسلمين، وانتقالًا من حياة الاضطهاد والظلم إلى بناء مجتمع يقوم على الإيمان والعدل والحرية.

 

ولفهم أهمية هذا الحدث العظيم، علينا أن نعود إلى تلك الفترة قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وتحديدًا في العام الثالث عشر من البعثة، حين تمكن المؤمنون من الخروج من مكة رغم الصعوبات والعقبات التي وضعتها قريش لمنع وصولهم إلى يثرب.

 

هناك وجد المهاجرون إخوانهم الأنصار الذين استقبلوهم بالترحاب، وفتحوا لهم قلوبهم قبل بيوتهم، وكان لذلك أثر عظيم في نفوسهم، بينما لم يبق في مكة إلا عدد قليل من المؤمنين بين مستضعف ومفتون وأسير.

 

مؤامرة قريش لمنع الهجرة


شعرت قريش بالخطر الذي تمثله الهجرة، وأدركت أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم سيغير موازين الأمور، ولذلك بدأت تبحث عن وسيلة تمنع اكتمال هذه الرحلة.

 

وفي يوم الخميس من شهر صفر، اجتمع المشركون في دار الندوة للتشاور حول مصير النبي صلى الله عليه وسلم، فاقترح بعضهم حبسه، وطالب آخرون بنفيه، بينما رأى فريق قتله.

 

حتى استقر رأيهم على أن يختاروا مجموعة من شباب القبائل ليضربوا النبي صلى الله عليه وسلم ضربة رجل واحد، حتى يتفرق دمه بين القبائل ولا تستطيع بنو هاشم مواجهة الجميع.

 

 قال تعالى: { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } ( الأنفال : 30 ).

 

لكن قريش لم تكن تعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أذن لنبيه بالهجرة، ففي الوقت الذي كانوا يخططون فيه لمؤامرته، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعد العدة للخروج.

 

الاستعداد للرحلة المباركة


توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه في وقت الظهيرة متخفيًا على غير عادته، ليخبره بأمر الهجرة.

 

وعندما علم أبو بكر رضي الله عنه بالأمر، طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصاحبه، فأذن له، فبكى من شدة الفرح رضي الله عنه.

 

وكان أبو بكر قد جهز راحلتين للهجرة، كما استأجر النبي صلى الله عليه وسلم ورفيقه رجلًا مشركًا من بني الديل يُقال له عبد الله بن أريقط، ليكون دليل الطريق، واتفقا معه على اللقاء عند غار ثور بعد ثلاث ليالٍ.

 

كما قامت عائشة وأسماء رضي الله عنهما بتجهيز الطعام والمؤن، وشقت أسماء نطاقها نصفين لتربط السفرة وقربة الماء، ولذلك سميت بذات النطاقين.

 

الخروج من مكة والوصول إلى غار ثور


جاء وقت الرحيل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه ليلًا من الباب الخلفي في بيت أبي بكر، بينما أمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالبقاء في مكة، ليرد الودائع إلى أصحابها، وأن ينام في فراشه لتضليل قريش.

 

ولم تكتشف قريش الأمر إلا بعد أن أصبح الصباح، فعندما دخلوا على بيت النبي صلى الله عليه وسلم وجدوا عليًا رضي الله عنه، فعلموا أن خطتهم قد فشلت.

 

وانطلقوا بعدها في البحث عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وأعلنوا عن مكافأة كبيرة لمن يعثر عليهما، وأرسلوا أصحاب الخبرة في تتبع الآثار.

 

لكن النبي صلى الله عليه وسلم خالف توقعاتهم، واتجه جنوبًا حتى وصل إلى جبل ثور، واختبأ في الغار.

 

الوصول إلى غار ثور ونجاة النبي 


قاد البحث الذي قامت به قريش رجالها إلى غار ثور، حتى وصلوا إلى مكان قريب منه، وأصبح الخطر شديدًا، وبلغت أصواتهم أبا بكر رضي الله عنه، فقال: "يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا"

 

فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم مطمئنًا وواثقًا بنصر الله: ( يا أبا بكر ، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ؟ )

 

فكان هذا الموقف مثالًا عظيمًا على قوة اليقين بالله وحسن التوكل عليه، فقد صرف الله قريشًا عن الغار، وعادوا دون أن يصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه.

 

وأقام النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاث ليالٍ، وكان عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما يأتي إليهما بأخبار قريش وما يدور في مكة، بينما كان عامر بن فهيرة رضي الله عنه يأتي بالغنم ليشربا من لبنها، ويعمل على إخفاء آثار السير، حتى جاء عبد الله بن أريقط في الموعد المحدد ومعه رواحل السفر.

 

الانطلاق إلى المدينة


وفي ليلة الاثنين من شهر ربيع الأول، انطلق الركب متجهًا إلى المدينة، وسلك النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه طريق الساحل بعيدًا عن الطريق المعتاد.

 

وكان أبو بكر رضي الله عنه شديد الحرص على سلامة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يسير أمامه أحيانًا، وخلفه أحيانًا، وعن يمينه وشماله، خوفًا عليه من أي خطر.

 

حتى وصلوا إلى مكان استظلوا فيه تحت صخرة، فقام أبو بكر رضي الله عنه بتهيئة المكان للنبي صلى الله عليه وسلم ليستريح، وبينما هم كذلك أقبل غلام يرعى الغنم، فسأله أبو بكر رضي الله عنه: لمن أنت يا غلام؟
فقال: لرجل من أهل مكة.
فقال له: أفي غنمك لبن؟
قال: نعم.
فحلب للنبي صلى الله عليه وسلم من الغنم، فشرب حتى ارتوى.

 

لقاء سراقة بن مالك


وفي أثناء الرحلة، رأى أحد المشركين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه من بعيد، فأخبر سراقة بن مالك بأنه رأى أناسًا بالساحل يظن أنهم محمد وأصحابه.

فعرف سراقة أنهم هم، لكنه أراد أن ينفرد بالجائزة، فأخفى الأمر عن الرجل الذي أخبره، ثم خرج متتبعًا أثر النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وعندما اقترب منهم، تعثرت فرسه وسقط، ثم حاول مرة أخرى حتى اقترب أكثر، فإذا بفرسه تغوص قوائمها في الأرض، فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظ بعناية الله.

 

فطلب سراقة الأمان، وتعهد بأن يخفي خبرهم عن قريش، وكتب له النبي صلى الله عليه وسلم كتاب أمان، ووعده بسواري كسرى، ووفى سراقة بوعده حتى وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

 

بركة النبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة


وفي الطريق إلى المدينة، مر النبي صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد، فسألها إن كان لديها شيء من الطعام، فقالت إنه لا يوجد سوى شاة ضعيفة لا تملك لبنًا.

 

فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الشاة، ومسح ضرعها بيده، ودعا الله تعالى، فامتلأ ضرعها باللبن، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ومن كان معهم.

 

وكانت هذه الحادثة من دلائل بركة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت سببًا في إسلام أم معبد وزوجها.

 

الوصول إلى المدينة وبداية مرحلة جديدة


بعد رحلة طويلة مليئة بالصعوبات والمواقف العظيمة، وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض المدينة المنورة، حيث استقبله المهاجرون والأنصار بالفرح والترحاب، بعد أن سبقوه في الهجرة وأعدوا له مكانًا بين أهلها.

 

وهكذا انتهت رحلة الهجرة النبوية، لكنها لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام، مرحلة بناء الدولة ونشر الرسالة وترسيخ قيم العدل والإيمان

.

لقد بقيت الهجرة النبوية حدثًا خالدًا يحمل للأمة دروسًا عظيمة في الإيمان، والصبر، والتخطيط، والتضحية، وحسن التوكل على الله، لتظل سيرتها مصدر إلهام لكل الأجيال.