كشفت بيانات البنك المركزي وصندوق النقد الدولي في القاهرة خلال الأشهر التالية لاندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران منذ 28 فبراير 2026 أن الاقتصاد المصري امتص الصدمة الأولى نسبيًا، لكن النتيجة الفعلية كانت تثبيت المؤشرات مقابل توسيع الكلفة على المواطنين.

 

وربطت التطورات الأخيرة بين الحرب الإقليمية وبين مسار اقتصادي قائم أصلًا على الديون وخفض الدعم وتعويم العملة، بحيث ظهر ما تسميه الحكومة صمودًا ماليًا بينما انتقلت الفاتورة سريعًا إلى الأسعار والكهرباء والنقل والخبز وقدرة الأسر على الاستهلاك.

 

 

امتصاص الصدمة تم بالدولار لا بالإنتاج

 

ففي بداية الضربة الإقليمية تعرضت السوق المصرية لضغوط مباشرة على العملة وتدفقات المحافظ الأجنبية وكلفة الطاقة، وهو ما دفع البنك المركزي إلى تجميد مسار التيسير النقدي سريعًا بعدما فرضت الحرب بيئة أكثر اضطرابًا على الأسعار وتكلفة الاستيراد.

 

ثم أكد استطلاع رويترز في 30 مارس أن المركزي المصري أبقى الفائدة عند 19 بالمئة للإيداع و20 بالمئة للإقراض لأن مخاوف التضخم الناتج عن الحرب أوقفت أي خفض جديد، بعدما تحولت الأولوية من تنشيط السوق إلى منع انفلات الأسعار.

 

وبحسب تصريحات مصطفى مدبولي التي نقلتها رويترز، فإن فاتورة واردات الطاقة المصرية تضاعفت أكثر من مرة منذ اندلاع الحرب، بينما قفزت تكلفة استيراد الغاز الطبيعي وحده من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا خلال مارس.

 

كما لجأت الحكومة بعد ذلك إلى إجراءات طوارئ كشفت حجم الضغط الحقيقي، فقررت إبطاء بعض المشروعات الحكومية كثيفة الوقود لمدة شهرين وخفض مخصصات وقود السيارات الحكومية 30 بالمئة، مع توسيع العمل عن بعد في بعض الجهات خلال أبريل.

 

غير أن الصورة لم تكن انهيارًا كاملًا لأن موارد العملة الصعبة تحسنت في الوقت نفسه، إذ أعلن البنك المركزي تراجع عجز الحساب الجاري 13.6 بالمئة إلى 9.5 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية 2025 و2026.

 

كذلك ارتفعت تحويلات العاملين بالخارج 29.6 بالمئة إلى 22.1 مليار دولار، وصعدت إيرادات السياحة 17.3 بالمئة إلى 10.2 مليار دولار، بينما زادت متحصلات قناة السويس 19 بالمئة إلى 2.2 مليار دولار وفق بيانات البنك المركزي.

 

لكن الباحث الاقتصادي تيموثي كالداس من معهد التحرير شدد على أن هذا التحسن لا يعكس قاعدة إنتاجية متينة، لأن الاقتصاد المصري ما زال شبه ريعي يعتمد على القناة والتحويلات والسياحة أكثر من اعتماده على نشاط إنتاجي قادر على امتصاص الصدمات.

 

لذلك بدا الصمود الخارجي أقرب إلى تعويض مؤقت من مصادر دولارية سريعة، لا إلى تعافٍ حقيقي في الصناعة أو التصدير، وهو ما يفسر لماذا بقي أي اضطراب في الخليج أو البحر الأحمر قادرًا على هز السوق المصرية فورًا.

 

 

مرونة الجنيه أخفت الخسارة ونقلت العبء إلى السوق

 

وفي موازاة ذلك، استخدمت الدولة مرونة سعر الصرف كأداة امتصاص رئيسية، فتركت الجنيه يتحرك تحت ضغط الحرب والأسواق، بينما تحمل المستوردون والمنتجون والمستهلكون أثر الانتقال السريع من الصدمة الخارجية إلى أسعار السلع اليومية.

 

وعندما ناقش المحللون مسار الفائدة خلال يونيو، توقعت رويترز هبوطًا طفيفًا في تضخم المدن إلى 14.5 بالمئة قبل أن تعلن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وصوله فعليًا إلى 14.6 بالمئة في مايو.

 

غير أن هذا التراجع الرقمي لم يعكس انفراجة معيشية، لأن الاستطلاع نفسه حذر من عودة التضخم للصعود في الشهور التالية بفعل زيادات الكهرباء وضغوط السكن والغذاء، أي أن الانخفاض المؤقت جاء من أثر المقارنة لا من تراجع الكلفة.

 

بعدها رفعت الحكومة أسعار الكهرباء على الشرائح الأعلى استهلاكًا والمتاجر والأنشطة التجارية اعتبارًا من أبريل، بمتوسط 16 بالمئة للأسر الأعلى استهلاكًا و20 بالمئة للقطاع التجاري، في خطوة هدفت إلى تخفيف العبء المالي عن الموازنة.

 

وأتبع ذلك موجة تسعير احترازية في الأسواق، إذ رصدت تقارير محلية مستقلة ارتفاعات متسارعة في الدواجن والدقيق والخبز الحر بعد زيادات الوقود والغاز، مع تسابق المنتجين والتجار لتحميل المستهلك تكلفة الدولار المتوقع لا الدولار الحالي.

 

هنا برز دور دانيال ريتشاردز من بنك الإمارات دبي الوطني، الذي قال لرويترز إن أي خفض جديد للفائدة صار مؤجلًا إلى أجل غير منظور حتى تتضح درجة انتقال تضخم الحرب إلى الداخل، وهو توصيف يختصر مأزق السياسة النقدية كلها.

 

فالسلطات تريد حماية الجنيه وجذب الأموال الساخنة وتهدئة الأسعار في وقت واحد، لكن الأدوات نفسها ترفع تكلفة الاقتراض وتضغط على الاستثمار الخاص، ثم تعود لتنعكس على المستهلك في صورة أسعار أعلى وفرص عمل أضعف.

 

ومن ثم لم تكن مرونة سعر الصرف وسيلة محايدة، بل قناة مباشرة لنقل الكلفة الاجتماعية إلى الأسر، لأن الدولة حافظت بها على تماسك المؤشرات الخارجية فيما تحمل السوق الداخلية أثر الوقود والكهرباء والنقل والغذاء دفعة واحدة.

 

 

استقرار المؤشرات جاء من جيب المستهلك لا من إصلاح حقيقي

 

وفي العمق، ساعدت ترتيبات التمويل الخارجي في تثبيت الصورة العامة أكثر مما ساعدها تحول اقتصادي هيكلي، إذ أتم صندوق النقد في 25 فبراير المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر وأتاح سحبًا جديدًا بقيمة 2.3 مليار دولار.

 

وبينما أشاد الصندوق بتحسن الوضع الكلي، فإنه سجل بوضوح أن التقدم في الإصلاحات الهيكلية غير متوازن، وأن تقليص بصمة الدولة وتوسيع دور القطاع الخاص ما زال شرطًا لازمًا لنمو شامل ودائم، وهو ما لم يتحقق بالوتيرة المعلنة.

 

كما أظهر تقرير الصندوق أن الاحتياطيات بلغت 59.2 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، ثم بقيت فوق مستوى 53 مليار دولار في مايو 2026 وفق بيانات البنك المركزي، بما وفر طبقة حماية نقدية مهمة.

 

لكن هذه الحماية لم تأت بلا ثمن اجتماعي، لأن الحكومة واصلت بالتوازي رفع أسعار الوقود والكهرباء وتقليص أشكال الدعم العيني، بينما جرى تقديم ذلك بوصفه ضرورة تقنية رغم أن أثره المباشر أصاب الاستهلاك الشعبي لا الإنفاق غير المنتج.

 

وفي السياق نفسه، نقلت مدى مصر عن الخبير المصرفي محمد عبد العال أن تراجع الجنيه يرفع تلقائيًا العبء المقوم بالمحلي على الديون الخارجية، بما يعني أن أي ضعف جديد للعملة يضغط على الموازنة والهيئات الاقتصادية معًا.

 

أما على صعيد المديونية، فأظهرت متابعة مدى مصر لمشروع موازنة 2026 و2027 أن الاقتراض سيشكل 49.1 بالمئة من موارد الدولة، وأن فوائد الدين وحدها ستلتهم نحو 60 بالمئة من الإيرادات، وهي أرقام تسحق أي حديث مريح عن التعافي.

 

ورغم أن الحكومة سددت حتى 10 يونيو متأخرات بلغت 6.1 مليار دولار لشركات النفط والغاز الأجنبية، فإن هذا التطور لا يغير حقيقة أن الدولة اضطرت أولًا إلى تراكم تلك الديون بسبب نقص العملة الأجنبية وتعثر إنتاج الطاقة محليًا.

 

حتى الإجراءات التي تبدو إيجابية مثل شراء 4.6 مليون طن قمح محليًا هذا الموسم، جاءت بوظيفة دفاعية لتقليل الواردات تحت ضغط الحرب والدولار، لا باعتبارها جزءًا من تحول إنتاجي واسع يعيد بناء الأمن الغذائي على أسس مستقرة.

 

وخلاصة الأشهر الماضية أن الحكومة لم تهزم الصدمة بقدر ما أعادت توزيعها، فحمت الاحتياطي والحسابات الكلية وأرضت المقرضين، لكنها تركت المصريين يواجهون النتيجة في الفواتير والأسواق وتآكل الأجور، وهذا ليس صمودًا بقدر ما هو ترحيل منظم للأزمة.