كشف الإعلامي محمد علي خير رصدا أعده الصحفي محمود فايد لأداء مجلس النواب في القاهرة، أظهر أن نحو 200 نائب من أصل 596 عضوا لم يشاركوا بكلمة أو أداة رقابية، بما يعادل قرابة 35 بالمائة.
 

ويفضح الرقم مجلسا تحول في ظل السلطة الحالية من منصة لمحاسبة الحكومة إلى قاعة للنوم والتصفيق وتمرير القرارات، بينما يواجه المصريون الغلاء والديون وتدهور الصحة والتعليم بلا نواب ينقلون شكواهم أو يدافعون عن حقوقهم.

 

وبحسب الرصد، لم يتقدم هؤلاء النواب بطلبات إحاطة أو تعليقات على القضايا المطروحة خلال دور الانعقاد، رغم امتلاكهم صلاحيات دستورية تمنحهم حق السؤال والاستجواب ومناقشة السياسات والميزانيات ومراقبة أعمال السلطة التنفيذية.

 

وفي المقابل، شهدت البلاد خلال الفترة نفسها أزمات متلاحقة في الأسعار وسعر الجنيه والديون والخدمات العامة، غير أن عشرات النواب اختاروا الصمت الكامل، وكأن عضويتهم مقعد شرفي لا تكليف شعبي ومسؤولية دستورية.

 

ومن جانب آخر، ناقش المجلس ملفات الصحة والتعليم والثانوية العامة ونظام البكالوريا والقروض والمشروعات القومية، إلا أن غياب 200 نائب عن المشاركة يطرح تساؤلات جدية بشأن تمثيل دوائرهم ومصير أصوات ناخبيهم.

 

وفوق ذلك، لا يرتب القانون عقوبة مباشرة على النائب الذي يلتزم الصمت طوال دور الانعقاد، ما يسمح ببقاء العضو مستفيدا من الحصانة والمخصصات والوجاهة، دون إلزامه بتقديم حصاد رقابي أو تشريعي واضح.

 

صمت تحت القبة

 

يرى الباحث السياسي عمرو هاشم ربيع أن تكوين المجالس النيابية وفق قوائم تهيمن عليها السلطة يضعف التعددية والاستقلال، ويصنع برلمانا يتحرك داخل الحدود المرسومة له بدلا من التعبير الحر عن مصالح الناخبين.

 

وبالتالي، لا يبدو صمت هذا العدد الكبير مجرد تقصير فردي متفرق، بل نتيجة طبيعية لمجلس تشكل على أساس الولاء السياسي، حيث تصبح الموافقة أكثر أمانا من الاعتراض، ويغدو التصفيق أقصر الطرق للبقاء.

 

كما أن النائب الذي يصل إلى مقعده دون منافسة سياسية حقيقية لا يشعر غالبا بضغط الناخبين، لأن استمراره يرتبط برضا الجهات التي اختارته أو دعمته أكثر من ارتباطه بأداء رقابي يزعج الحكومة.

 

ولذلك، يتحول البرلمان إلى مؤسسة تكميلية تمنح القرارات غطاء قانونيا، بدلا من كونه سلطة مستقلة تراجع السياسات وتعيد التشريعات وتوقف الاقتراض غير المنضبط وتحاسب الوزراء عن الفشل والتقصير وإهدار المال العام.

 

ومن ثم، يكشف غياب المداخلات وطلبات الإحاطة عن أزمة تمثيل أعمق، إذ لا يسمع المواطن صوت نائبه تحت القبة، ولا يعرف موقفه من الضرائب والأسعار والديون وتراجع الخدمات أو بيع الأصول العامة.

 

علاوة على ذلك، وصف عمرو هاشم ربيع المشهد البرلماني بأنه خاضع لما يحلو للسلطة، وهي رؤية تفسر كيف اتسعت مساحات الصمت، بينما تقلصت المعارضة وتحولت المناقشات إلى إجراءات لا تغير جوهر القرارات الحكومية.

 

وبناء على ذلك، لا يمكن تقييم المجلس بعدد القوانين التي أقرها فقط، بل بمدى قدرته على تعديل مشروعات الحكومة ورفضها واستجواب الوزراء، وهي وظائف تبدو باهتة أمام أغلبية تفضل السلامة والصمت.

 

رقابة بلا أنياب

 

يؤكد أستاذ القانون الدستوري صلاح فوزي أن الدستور منح النائب أدوات رقابية متعددة، تشمل الأسئلة وطلبات الإحاطة والاستجوابات، وأن استخدامها يجب أن يرتبط بوقائع جادة تستدعي مساءلة الحكومة وحماية المصلحة العامة.

 

وفي هذا الإطار، يصبح امتناع النائب عن استخدام أي أداة طوال دور كامل تخليا عن جوهر العضوية، لأن المسؤولية البرلمانية لا تتحقق بالحضور الصامت أو رفع اليد عند التصويت على مشروعات الحكومة.

 

وفي الوقت نفسه، أوجب الدستور تفرغ أعضاء مجلس النواب حتى يتمكنوا من ممارسة أدوارهم التشريعية والرقابية باستقلال، ما يجعل الصمت المستمر إهدارا للغرض الذي منحهم القانون من أجله هذا الوضع والاستحقاقات المرتبطة به.

 

وبالرغم من ذلك، لا توجد آلية معلنة تحاسب النائب على ضعف مشاركته أو تلزمه بنشر تقرير دوري عن نشاطه، بما يترك الناخب أمام عبارات دعائية لا تكشف عدد المداخلات والأسئلة والقضايا التي تابعها.

 

كذلك، لا يستطيع المواطن بسهولة الوصول إلى قاعدة بيانات مبسطة تقارن أداء النواب، وتوضح حضورهم وتصويتهم وأدواتهم الرقابية، وهو غياب يخدم الأعضاء الصامتين ويحرم المجتمع من رقابة من يفترض أنهم ممثلوه.

 

ومن ناحية أخرى، لا تعني كثرة الأدوات الرقابية وحدها جودة الأداء، لكن غيابها الكامل لدى نحو ثلث المجلس يكشف فراغا يصعب تبريره، خصوصا مع تراكم أزمات كان يفترض أن تستدعي مساءلات يومية.

 

إضافة إلى ذلك، تظل مسؤولية رئاسة المجلس قائمة في ضمان مشاركة الأعضاء وإتاحة الوقت للآراء المختلفة، بدلا من إدارة جلسات تنتهي بالموافقات السريعة وتترك الملفات الحساسة بلا نقاش علني جاد وممتد.

 

نواب خارج الخدمة

 

يقول الإعلامي محمد علي خير إن الناخب اختار النائب لتمثيله والدفاع عن مصالحه، لا للحصول على وجاهة اجتماعية، مؤكدا أن عضوية المجلس مسؤولية تشريعية ورقابية وليست مقعدا للاستفادة من الامتيازات والصمت.

 

وأمام ذلك، تبدو قضية التوسع العشوائي في إنشاء كليات الطب نموذجا صارخا، بعدما حذر نقيب الأطباء من كليات غير مؤهلة، بينما لم يتحرك النواب الصامتون لاستدعاء الوزير ومناقشة مخاطرها على المرضى والطلاب.

 

وبموازاة ذلك، تحتاج دراسة الطب إلى مستشفيات جامعية وتجهيزات وتدريب عملي داخل غرف العمليات والعناية المركزة والتشريح، ما يجعل تجاهل التوسع غير المدروس تهديدا مباشرا لجودة الأطباء وسلامة المواطنين مستقبلا.

 

وعوضا عن فتح مواجهة رقابية حول هذه الملفات، يكتفي كثير من الأعضاء بحضور الجلسات أو الغياب عنها دون أثر، ثم يعودون إلى دوائرهم باعتبارهم أصحاب نفوذ وخدمات، لا مشرعين يراقبون السياسات العامة.

 

وفي المقابل، يتحمل المواطن تكلفة هذا الصمت مرتين، الأولى عندما تفشل الحكومة في معالجة أزماته دون مساءلة، والثانية عندما تنفق الدولة على مجلس لا يؤدي عدد كبير من أعضائه الحد الأدنى من واجباته.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح نشر أسماء النواب الصامتين ضرورة للمحاسبة الشعبية، لأن إخفاء هوياتهم يحول الرقم إلى فضيحة عابرة، بينما معرفة كل دائرة بأداء ممثلها قد تمنع إعادة تدوير الغائبين انتخابيا.

 

وفي المحصلة، لا تكمن الفضيحة في أن 200 نائب لم يتحدثوا فقط، بل في وجود نظام سياسي لا يرى في صمتهم مشكلة، ما داموا يحضرون عند التصويت ويمنحون الحكومة الأغلبية المطلوبة دون إزعاج.

 

وختاما، يكشف رصد محمود فايد أن المصريين لا يملكون برلمانا يوازي أزماتهم، بل مجلسا ينام بعض أعضائه ويصمت آخرون ويصفق الباقون، بينما تمر القروض والقوانين والقرارات فوق رؤوس المواطنين بلا دفاع حقيقي.