كشفت أرقام هيئة النقل العام بالقاهرة، بخسائر بلغت 461 مليون جنيه خلال العام المالي 2024/2025، عن أزمة نقل عام تتسع في العاصمة، بينما تعلن وزارة النقل إيرادات يومية للسكك الحديد تصل إلى 20 مليون جنيه من تشغيل 500 قطار.

 

وأعاد إعلان وزير النقل كامل الوزير عن خسائر سنوية للسكك الحديد بنحو 4 مليار جنيه، وخسائر مرحّلة تتجاوز 108 مليارات جنيه، طرح سؤال مباشر على المواطنين عن مصير الأصول التي جرى التصرف فيها داخل هذا المرفق العام.

 

خسائر النقل لا تبرئ الإدارة

 

لكن الخسائر المرحّلة لا تصلح وحدها لتبرير موجة رفع التذاكر، لأن هذه الأرقام تمثل تراكمات تاريخية تعود إلى عقود من تثبيت أسعار الخدمة، وليست خسائر صنعها الراكب في العام المالي الحالي.

 

في المقابل، تعلن الحكومة دعمًا سنويًا من الخزانة العامة يقترب من 5 مليارات جنيه أو يتغير حسب الموازنة، لكنه دعم موجه لفرق التذكرة والفئات الاجتماعية والخطوط غير الاقتصادية، وليس لسداد الديون القديمة.

 

وبهذا المعنى، يتحول الدعم من التزام اجتماعي واجب تجاه الطلاب وكبار السن ومستحقي معاش تكافل وكرامة، إلى ذريعة سياسية ومالية تستخدمها الحكومة للضغط على الراكب بدل مساءلة الإدارة عن القروض.

 

ويضع الباحث الاقتصادي محمد رمضان هذا النمط في سياق أوسع، إذ يرى أن أزمة الديون في مصر ترتبط باختلال نمط النمو منذ 2014، مع توسع الاقتراض لمشروعات البنية التحتية على حساب الزراعة والصناعة التحويلية.

 

لذلك لا تبدو خسائر هيئة النقل العام بالقاهرة، ولا خسائر السكك الحديد، مجرد أرقام محاسبية منفصلة، بل نتيجة مباشرة لإدارة توسعت في الإنفاق الرأسمالي والاقتراض، ثم طالبت المواطنين بسداد الفاتورة عبر التذكرة.

 

كما أن الحديث عن إيرادات يومية تبلغ 20 مليون جنيه يفتح بابًا آخر للمساءلة، لأن مرفقًا يحقق هذا التدفق النقدي لا يجوز أن يقدّم الخسارة كعنوان وحيد، من دون كشف تفصيلي لأبواب المصروفات والديون.

 

وعندما يطالب المواطن بمعرفة ثمن الأصول التي خرجت من حيازة السكة الحديد، فهو لا يطرح سؤالًا سياسيًا مجردًا، بل يسأل عن مورد كان يمكن أن يقلل الدين أو يخفف عبء التذكرة.

 

القروض تصنع العجز وتؤجل الحساب

 

ثم جاء القرض الصيني الجديد بقيمة 200 مليون دولار لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع سكة حديد مدينة العاشر من رمضان، ليسدد باليوان الصيني، في وقت يتصاعد فيه الحديث الرسمي عن خسائر النقل وعجز الهيئات.

 

ويأتي هذا القرض ضمن مسار أوسع جعل قطاع النقل واحدًا من أكبر مستقبلي القروض الخارجية، إذ تدور التقديرات المتداولة حول 18 إلى 20 مليار دولار، بما يعادل نحو 12.5% إلى 13% من الدين الخارجي المصري.

 

ويشرح الصحفي الاقتصادي محمد جاد هذا المسار من زاوية تمويل البنية الأساسية، إذ رصد أن هذه المشروعات تتطلب نقدًا أجنبيًا وتضخم الدين الخارجي، وأن بعضها يخلق شبكات نقل أكثر رفاهية لا تناسب الشرائح الأدنى دخلًا.

 

ومن ثم، لا تكمن المشكلة فقط في سعر الفائدة المنخفض لبعض القروض، لأن تراجع الجنيه أمام الدولار واليورو واليوان يحول القرض الميسر إلى عبء دفتري أكبر، ويضاعف تكلفة السداد على الأجيال المقبلة.

 

كذلك تذهب هذه القروض إلى وحدات متحركة وجرارات وقطارات ومترو وأنظمة إشارات وتحكم رقمي ومشروعات نقل كبرى، وهي مكونات لا تصنع محليًا بالقدر الكافي، فتزيد الحاجة المستمرة إلى العملة الأجنبية.

 

في الوقت نفسه، تحملت الهيئات التابعة لوزارة النقل مديونيات داخلية ضخمة تاريخيًا لصالح جهات حكومية أخرى، بينها بنك الاستثمار القومي ووزارة البترول، خاصة مستحقات السولار، وهو ما يكشف تدوير الخسارة داخل الدولة.

 

وعندما تستحوذ الهيئة القومية للأنفاق وحدها على حصة ضخمة من قروض الهيئات الاقتصادية، فإن ذلك لا يعبر عن أولوية اجتماعية، بل عن انحياز واضح لمشروعات مكلفة مثل المونوريل والقطار الكهربائي والقطار السريع.

 

ولهذا تبدو سياسة الاقتراض في النقل نموذجًا لإدارة تشتري وقتًا سياسيًا وافتتاحات متلاحقة، بينما تترك الموازنة العامة أمام ضمانات ومخاطر سداد، إذا عجزت الهيئات الاقتصادية عن الوفاء بالتزاماتها.

 

الأجور بريئة والفوائد هي المتهم

 

وفي 26 مارس، بررت وزارة النقل زيادة أسعار تذاكر القطارات وبعض شرائح المترو بارتفاع مصاريف التشغيل والأجور وأسعار المنتجات البترولية، لكنها قدمت تفسيرًا ينتقي من الأرقام ما يخدم قرار الزيادة.

 

غير أن القوائم المالية تكشف أن أجور هيئة السكك الحديد بلغت 4.88 مليار جنيه في 2023/2024، بما يعادل 46.5% من إيرادات النشاط، و37.8% من إجمالي الإيرادات، و40.6% من إجمالي التكاليف.

 

أما الخامات والمواد والوقود وقطع الغيار فقد سجلت 1.59 مليار جنيه في العام نفسه، بما لا يتجاوز 15.15% من إيرادات النشاط، و12.3% من إجمالي الإيرادات، و13.25% من إجمالي التكاليف.

 

وبذلك تسقط حجة تحميل العاملين والوقود المسؤولية الكاملة، لأن هيئة السكك الحديد حققت ربحًا من النشاط بلغ 4 مليارات جنيه، ثم تآكل صافي الربح إلى 880 مليون جنيه بعد خصم الفوائد والإهلاك.

 

وفي الهيئة القومية للأنفاق، لم تمثل الأجور والخامات والمواد والوقود وقطع الغيار سوى 13.9% من إجمالي التكاليف والمصروفات البالغة 6.1 مليار جنيه، لكنها سجلت خسائر بعد فوائد قروض ومصروفات أخرى.

 

وتدعم الباحثة الاقتصادية سلمى حسين هذا الاستنتاج من زاوية المالية العامة، إذ ترى أن سياسات القروض تعيد ترتيب الإنفاق بحيث تنضغط أبواب الخدمات، بينما تظل فوائد الديون وسداد القروض محمية من الخفض.

 

كما ارتفعت فوائد ديون السكك الحديدية من 205 مليون جنيه في 2021/2022 إلى 1.59 مليار جنيه في 2023/2024، بنسبة 677.5%، بينما لم ترتفع الأجور خلال الفترة نفسها سوى 19%.

 

وفي القومية للأنفاق، زادت فوائد الديون بنسبة 33% خلال الفترة نفسها، من 563.3 مليون جنيه إلى 750.61 مليون جنيه، بينما ارتفعت الأجور 6.4% فقط، وهي نسب تفضح جوهر الأزمة.

 

ومع وصول قروض استثمارات السكك الحديد من 16.65 مليار جنيه إلى 25.95 مليار جنيه خلال 3 أعوام، ثم رصد 47.6 مليار جنيه في الموازنة الجارية، يتضح أن القروض سبقت التذكرة إلى جيب المواطن.

 

أما في القومية للأنفاق، فقد ارتفعت القروض المخصصة للاستخدامات الاستثمارية من 69.4 مليار جنيه إلى 106.9 مليار جنيه، ثم قفزت المبالغ المرصودة إلى مئات المليارات، وسط عجز واضح عن ضبط الأولويات.

 

ولا تتناسب زيادات الأجور مع التضخم، إذ بلغ تضخم إجمالي الجمهورية 34.1% في 2023/2024، بينما ارتفعت أجور السكك الحديد 6.1% وأجور القومية للأنفاق 4.8% فقط خلال العام نفسه.

 

وتؤكد موازنة 2025/2026 الاتجاه نفسه، بعدما رصدت 6.17 مليار جنيه لأجور السكك الحديد، بزيادة 2.8% فقط عن 6 مليارات جنيه في العام السابق، وهو ما يهدم خطاب تحميل العاملين مسؤولية العجز.

 

في النهاية، تكشف أرقام النقل أن الحكومة لا تواجه الخسائر بإصلاح إداري أو شفافية في بيع الأصول أو مراجعة للأولويات، بل تنقل العبء إلى المواطن عبر التذكرة، وتبقي القروض والفوائد خارج دائرة الاتهام.

 

وهكذا تصبح خسائر النقل العام والسكك الحديدية عنوانًا واحدًا لأزمة أعمق، عنوانه أن الدولة تقترض باسم التطوير، وتدعم اجتماعيًا على الورق، ثم تطالب الراكب بدفع ثمن إدارة لم تنتج سوى دين جديد وخدمة أغلى.