أثارت شكاوى متزايدة من إلغاء إقامات مصريين في الإمارات أثناء وجودهم في إجازاتهم السنوية داخل مصر حالة من القلق بين أفراد الجالية، وفتحت باب التساؤلات بشأن طبيعة الإجراءات وأسبابها، وما إذا كانت مرتبطة بمراجعات إدارية وقانونية داخل سوق العمل الإماراتية، أم أنها تحمل أبعادًا سياسية تتصل بالتحولات الجارية في تحالفات المنطقة.

 

وبينما لم تصدر بيانات رسمية توضح حجم الظاهرة أو تؤكد استهداف المصريين تحديدًا، تزامنت الشكاوى مع تقارب مصري تركي، وحديث عن تباينات إقليمية بشأن ليبيا و«تحالف مكة»، ما دفع محللين إلى طرح فرضية استخدام الإقامة والعمالة والاستثمارات أدوات ضغط غير معلنة على القاهرة.

 

 

إلغاءات مفاجئة وسط صمت رسمي مصري

 

شهدت صفحة «مصريون في الإمارات» على موقع فيسبوك خلال الأيام الماضية منشورات وتعليقات عديدة تتحدث عن إلغاء إقامات مصريين أثناء وجودهم خارج الإمارات، خاصة خلال قضاء إجازاتهم السنوية في مصر. وبحسب الشكاوى المتداولة، لم تقتصر الإجراءات على أصحاب الإقامات المرتبطة بشركات وهمية أو جهات لا تستوفي المتطلبات القانونية، بل طالت مدرسين وعاملين في شركات كبيرة، وفي بعض الحالات مستثمرين وأصحاب شركات قائمة.

 

وتحدث أحد المستثمرين المصريين عن إلغاء إقامته المرتبطة بشركته أثناء وجوده في إجازة خارج الإمارات، رغم امتلاكه نشاطًا تجاريًا داخل الدولة. كما أشار مدرس مصري مقيم مع أسرته في أبوظبي إلى أن بعض المتضررين يعملون منذ سنوات، مؤكدًا أن الأمر، وفق الروايات المتداولة بين المقيمين، لم يقتصر على المخالفين أو العاملين لدى شركات تواجه مشكلات قانونية.

 

وتحدث مصريون عن قرارات صدرت في 22 و28 يوليو الماضي عن الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ، لكن لم تظهر حتى الآن إفادة رسمية منشورة توضح مضمون هذه القرارات أو نطاق تطبيقها. وفي غياب المعلومات الرسمية، اتسعت مساحة التكهنات وتزايدت المخاوف بين المقيمين من السفر في إجازات، خشية إلغاء إقاماتهم أو منعهم من العودة.

 

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الجالية المصرية في الإمارات، التي بلغ عددها نحو 1.3 مليون مصري حتى نهاية عام 2024، فيما وصلت تحويلاتهم إلى نحو 3.6 مليارات دولار خلال العام المالي 2024/2025. كما يشكو عاملون، خاصة في قطاعات الإنشاءات، من صعوبة الحصول على عقود عمل، وخسارة مبالغ مالية في سبيل استخراج التأشيرات، إلى جانب عدم دفع الأجور أو تجديد الإقامات والتعرض للطرد أو الترحيل.

 

ورغم اتساع النقاش على مواقع التواصل، لم يصدر تعليق واضح من الحكومة المصرية يشرح حقيقة ما يجري أو يعلن تحركًا لحماية المتضررين. ويثير هذا الصمت انتقادات إضافية، خاصة في ظل وجود آلاف الشركات المصرية المسجلة في الإمارات، وتشابك اقتصادي ومالي واسع بين البلدين.

 

 

تحولات إقليمية للضغط على القاهرة

 

تزامنت الشكاوى مع تغيرات سياسية متسارعة في المنطقة، أبرزها التقارب المتزايد بين القاهرة وأنقرة في الملف الليبي. فبعد سنوات كانت خلالها مصر أقرب إلى الرؤية الإماراتية في ليبيا، ظهرت مؤشرات على تنسيق مصري تركي بشأن توحيد المؤسسات الليبية وإجراء الانتخابات ودعم مسار التسوية السياسية، بالتوازي مع توسع الحضور التركي في غرب ليبيا وشرقها.

 

وجاءت التطورات أيضًا وسط حديث عن موقف مصر من «تحالف مكة» الدفاعي الذي قيل إنه يضم السعودية وتركيا وباكستان. وبينما أشارت تحليلات إلى تردد القاهرة خشية الانخراط في صراع إقليمي أو إغضاب أبوظبي، تحدثت تقارير أخرى عن تحفظ سعودي على المشاركة المصرية، مقابل محاولات تركية لتقريب وجهات النظر.

 

كما جاء استقبال وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي لنظيريه التركي هاكان فيدان والسعودي فيصل بن فرحان في مدينة العلمين الجديدة ليؤكد استمرار التنسيق بين الدول الثلاث. وقد يثير هذا التقارب، إذا تطور إلى تعاون عسكري وسياسي أوسع، قلق أبوظبي التي ترتبط بالقاهرة بعلاقات وثيقة، لكنها تختلف معها تدريجيًا بشأن عدد من ملفات المنطقة.

 

ويحذر الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية ممدوح المنير من الجزم بوجود قرار إماراتي سياسي لمعاقبة القاهرة، في ظل غياب البيانات الرسمية التي تحدد أعداد الإقامات الملغاة، وأسباب إلغائها، وما إذا كانت الجنسية المصرية مستهدفة دون غيرها. كما أن الاضطرابات الإقليمية وتراجع بعض قطاعات الأعمال قد يدفعان شركات إلى تقليص العمالة أو تسوية أوضاعها القانونية.

 

لكن المنير يرى أن تعدد الشكاوى وامتدادها إلى عاملين ومستثمرين وأصحاب شركات يسمح بقراءة سياسية محتملة، خاصة مع إعادة تشكيل شبكة التحالفات الإقليمية. فانضمام مصر إلى منظومة تجمع الثقل السعودي والقوة العسكرية والصناعية التركية والقدرات الباكستانية قد يؤدي إلى ظهور مركز إقليمي جديد لا يتفق بالضرورة مع حسابات أبوظبي.

 

ويصف المنير سياسة القاهرة الحالية بأنها نوع من «التحوط الاستراتيجي»، عبر الحفاظ على علاقتها بالإمارات، وتطوير تقاربها مع تركيا، وتعزيز التنسيق مع السعودية في الوقت نفسه. إلا أن اعتماد الاقتصاد المصري على التمويل والاستثمارات الخليجية يجعل قدرة القاهرة على المناورة محدودة، ويمنح شركاءها الإقليميين أدوات مؤثرة في قراراتها.

 

 

نفوذ اقتصادي إماراتي واسع 

 

تجاوز الحضور الإماراتي في مصر حدود الاستثمار التقليدي إلى امتلاك حصص وأصول في قطاعات استراتيجية، ما جعل العلاقة بين البلدين أقرب إلى «شراكة تنافسية» تجمع التعاون الاقتصادي والأمني مع اختلافات متنامية بشأن ليبيا والسودان واليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 

ويبرز مشروع رأس الحكمة بوصفه أكبر صور النفوذ الاقتصادي الإماراتي، إلى جانب المحافظ العقارية التابعة لشركات مثل «سوديك» و«إعمار». كما تمتلك شركات إماراتية مساحات زراعية واسعة في توشكى وشرق العوينات ووادي النطرون والصالحية والمنيا، فضلًا عن استثمارات في الزراعة والألبان والأعلاف وصناعة السكر.

 

ويمتد النفوذ إلى قطاع الموانئ، حيث تدير موانئ دبي محطة الحاويات في ميناء العين السخنة، بينما حصلت موانئ أبوظبي على امتيازات لتطوير وتشغيل ميناء سفاجا وموانئ الغردقة وشرم الشيخ والعريش، إلى جانب مناطق لوجستية في بورسعيد والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

 

كما استحوذت كيانات إماراتية على حصص مؤثرة في الإسكندرية لتداول الحاويات، وأبوقير للأسمدة، وموبكو، وسماد مصر، والشركة الشرقية للدخان. ووصلت الاستحواذات إلى الصناعات الغذائية عبر «أبو عوف» و«أطياب»، وإلى القطاعين الطبي والدوائي من خلال شركة آمون، ومستشفيات كليوباترا والقاهرة التخصصي والنيل بدراوي والشروق، ومعامل البرج والمختبر.

 

هذا التشابك يطرح مفهوم «تسليح الاعتماد المتبادل»، أي تحويل شبكات الاستثمار والتجارة والعمالة والإقامة من أدوات تعاون إلى وسائل ضغط سياسي. وإذا ثبت أن إلغاء الإقامات يجري بصورة واسعة وانتقائية بحق المصريين، فقد تصبح فرضية «الدبلوماسية القسرية غير المعلنة» أكثر ترجيحًا.

 

ومع ذلك، تظل هذه القراءة في نطاق الاحتمال ما لم تُنشر بيانات رسمية تحدد حجم الإجراءات وأسبابها. لكن الأزمة تكشف في كل الأحوال هشاشة أوضاع المصريين العاملين في الخارج، وضعف قدرة القاهرة على حماية مواطنيها حين تتداخل مصالحهم مع شبكة النفوذ والاستثمارات الإقليمية.