كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» تفاصيل شبكة واسعة لتجنيد ونقل نحو ألفي مقاتل كولومبي إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، في واحدة من أكبر عمليات استقدام المرتزقة الأجانب وأكثرها تنظيمًا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

 

وبحسب التحقيق، امتدت مسارات العملية من كولومبيا إلى قواعد ومطارات في الإمارات والصومال وليبيا وتشاد، قبل وصول المقاتلين إلى دارفور، حيث شاركوا في حماية منشآت عسكرية وتشغيل طائرات مسيرة وأسلحة مضادة للطائرات، ووجد بعضهم نفسه في محيط حصار الفاشر وسقوطها وما أعقبه من انتهاكات دامية.

 

 

تجنيد من كولومبيا وتدريب داخل قواعد مرتبطة بالإمارات

 

بدأت عملية التجنيد، وفق الصحيفة، في منتصف عام 2024، عندما انتشرت عبر تطبيق «واتساب» عروض عمل تستهدف عسكريين كولومبيين سابقين، مستفيدة من شبكات الصداقة والزمالة بين قدامى القوات المسلحة.

 

وكان معظم المجندين يتمتعون بخبرات قتالية واسعة، من بينهم أفراد خدموا في القوات الخاصة، وآخرون شاركوا في عمليات ضد المتمردين داخل أدغال أمريكا الجنوبية، إلى جانب عناصر سبق أن عملت في الأمن الخاص بالشرق الأوسط أو ضمن مجموعات مسلحة مرتبطة بعصابات المخدرات.

 

وقال مقاتلون كولومبيون تحدثوا إلى الصحيفة بأسماء مستعارة إن الجهة التي أشرفت على استقدامهم كانت شركة أمنية خاصة تُعرف باسم «مجموعة الخدمات الأمنية العالمية» GSSG، ومقرها الإمارات ويديرها مسؤولون من جنوب أفريقيا.

وتقول الشركة عبر موقعها الإلكتروني إنها المزود الوحيد لخدمات الأمن الخاص المسلح للحكومة الإماراتية، لكنها لم تستجب لطلبات التعليق على الاتهامات الواردة في التحقيق.

 

وبحسب الشهادات، نُقل المقاتلون على دفعات أو كتائب متعاقبة. ووصلت الكتيبة الأولى إلى السودان في أكتوبر 2024، وكانت مهمتها تأسيس موطئ قدم وتأمين خطوط الإمداد، بينما تولت الكتيبة الثانية حماية مطار نيالا، الخاضع لسيطرة الدعم السريع، قبل أن تنتقل إلى معسكرات سرية في الصحراء. أما الكتيبة الثالثة، فدُفعت إلى الخطوط الأمامية خلال المعارك المرتبطة بالسيطرة على الفاشر.

 

ولم تقتصر العملية على تجنيد مقاتلين تقليديين، إذ أفاد أحد الكولومبيين بأن نحو 300 متخصص تلقوا تدريبات سرية في الإمارات على تشغيل الطائرات المسيرة والأسلحة المضادة للطائرات خلال عام 2025. وقال مقاتلون إن جانبًا من التدريبات جرى في قاعدة ببلدة غياثي في أبوظبي، سبق أن وصفتها لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة بأنها معسكر عسكري.

 

وتضمنت الوحدات المستقدمة مشغلي طائرات مسيرة ورادارات ومدافع مضادة للطائرات، فيما قال بعض المقاتلين إن مدربين إماراتيين أو عربًا يرتدون الزي العسكري شاركوا في إعدادهم. وعززت بيانات تتبع أجهزة الاتصال، وفق التقرير، روايات انتقال عناصر بين مواقع داخل الإمارات ومراكز إمداد خارجية ثم مدن دارفور.

 

 

بوصاصو والكفرة وتشاد.. ممرات جوية نحو دارفور

 

رسم التحقيق مسارًا معقدًا لنقل المرتزقة، يبدأ من كولومبيا ويمر بقواعد ومطارات في دول ترتبط بعلاقات وثيقة بأبوظبي. وشملت المحطات مدينة بوصاصو في إقليم بونتلاند شمال الصومال، والكفرة في شرق ليبيا، إلى جانب جناح عسكري في مطار داخل تشاد، قبل إدخال المقاتلين إلى السودان.

 

وقال مرتزق استخدم اسم «لويس» إنه نُقل ضمن الكتيبة الثانية عبر قاعدة ممولة إماراتيًا في بوصاصو، على متن طائرة روسية قديمة. ووصف مقاتل آخر المدينة بأنها مركز لتدريب المرتزقة ونقلهم إلى السودان ومناطق صراع أخرى في أفريقيا، موضحًا أن التدريب شمل الأسلحة وتمارين اللياقة والجري والسباحة والملاحة البحرية.

 

وأضاف أنه التقى داخل القاعدة بمقاتلين من أفريقيا وجنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينهم كولومبيون وبيروفيون ومكسيكي وغواتيمالي. وأفادت الشهادات بأن القاعدة كانت تُستخدم أيضًا لعلاج المصابين وتجهيز جثامين القتلى تمهيدًا لإعادتهم إلى بلادهم.

 

وفي ليبيا، قال مقاتل سابق يدعى «مانويل» إنه تدرب في الكفرة قبل أن ينتقل للعمل مع عناصر من جنوب أفريقيا وأوكرانيا في دارفور. وتطابقت هذه الروايات، بحسب الصحيفة، مع سجلات سفر وهجرة وقوائم ركاب وصور ومقاطع فيديو وشهادات سودانية، فضلًا عن تحليل بيانات تتبع إلكترونية.

 

وأظهر التحليل وجود ما لا يقل عن 40 جهازًا مضبوطًا على اللغة الإسبانية داخل قاعدة لقوة شرطة بونتلاند البحرية الممولة من الإمارات. كما رُصدت أجهزة مرتبطة بالمجندين في مواقع بدارفور، من بينها منطقة قرب نيالا قال سكان محليون إنها تضم معسكرًا كبيرًا لتدريب قوات سودانية بواسطة كولومبيين.

 

وكانت الرواتب عنصر الجذب الرئيسي، إذ حصل المقاتل، وفق الشهادات، على نحو 2600 دولار شهريًا، والمشرف على 2800 دولار، بينما وصل راتب الضابط إلى 3500 دولار. وبلغ قوام الكتيبة الثانية قرابة 400 عنصر، موزعين على وحدات تحمل أسماء «العقارب» و«البيسون» و«الوشق»، مع تقديرات بوصول إجمالي الكولومبيين إلى نحو ألفي مقاتل.

 

 

من نيالا إلى الفاشر.. مرتزقة في قلب الانتهاكات

 

وجد الكولومبيون أنفسهم داخل حرب تحولت من صراع بين الجيش السوداني والدعم السريع إلى مواجهة إقليمية متعددة الأطراف. ففي نيالا، شاركت وحدات منهم في الدفاع عن المطار ضد هجمات الجيش، واعتقلت أشخاصًا اقتربوا من محيطه للاشتباه في تصوير المنشأة، قبل تسليمهم إلى قادة محليين تابعين للدعم السريع.

 

وتحدث لويس عن تعرض أحد المعتقلين للتعذيب داخل القاعدة، كما روى أن قصفًا استهدف طائرة على المدرج عام 2025، ما أدى، وفق شهادته، إلى مقتل نحو 50 شخصًا، شارك لاحقًا في دفن جثامينهم.

 

وكان الظهور الأخطر للمرتزقة في محيط الفاشر، التي شهدت حصارًا طويلًا قبل سقوطها وما رافقه من اتهامات بعمليات قتل وإعدام واغتصاب وخطف ودهس مدنيين. ونفى المقاتلون الذين قابلتهم الصحيفة مشاركتهم المباشرة في قتل المدنيين، وقال لويس إنه وصل بعد انتهاء المعارك، غير أن وجودهم لم يمنع وقوع الانتهاكات.

 

ونقلت «هيومن رايتس ووتش» عن ناجٍ مشاهدته رجالًا بيضًا أثناء إعدام مدنيين حاولوا عبور جدار ترابي أقامه الدعم السريع حول المدينة، وكان بين الضحايا نساء وأشخاص من ذوي الإعاقة. كما وصف لويس شوارع الفاشر بأنها خالية ومشبعة برائحة الموت، مع جثث لنساء وأطفال تُركت تحت الشمس، وبعضها بدا وكأنه سُحق بالمركبات.

 

وتنفي الإمارات دعم قوات الدعم السريع أو المشاركة في تجنيد المرتزقة، لكن منظمات وخبراء يرون أن عملية بهذا الحجم، تشمل التدريب والنقل والإمداد عبر قواعد مرتبطة بأبوظبي، يصعب تنفيذها دون موافقة رسمية. ويربط التقرير هذا التحرك بمصالح إماراتية في الذهب والزراعة والموانئ وطرق البحر الأحمر، فضلًا عن علاقة أبوظبي القديمة بقيادة الدعم السريع.

 

ومع امتلاك المقاتلين الكولومبيين خبرات متقدمة في الطائرات المسيرة والدفاع الجوي والعمليات الخاصة، يحذر خبراء من أن تدفقهم لا يطيل الحرب السودانية فحسب، بل يهدد أيضًا بتوسيع شبكات المرتزقة وإشعال سباق تسلح إقليمي، في بلد خلّفت الحرب فيه ملايين النازحين وأعدادًا هائلة من القتلى، فيما تتضاءل فرص الوصول إلى تسوية توقف النزيف.