شهد جنوب لبنان، الجمعة، تصعيداً عسكرياً واسعاً مع استمرار الغارات الإسرائيلية المكثفة التي استهدفت مناطق عدة في الجنوب والبقاع، ما أسفر عن سقوط 5 شهداء وإصابة ما لا يقل عن 15 آخرين، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انهيار الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية.
ويأتي هذا التصعيد في ظل أجواء سياسية وأمنية معقدة، بعدما أعلنت الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل التوصل إلى إعلان نوايا لوقف إطلاق النار خلال جولة مفاوضات استضافتها واشنطن.
أوامر إخلاء جديدة وموجة غارات واسعة
أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي أوامر إخلاء عاجلة لسكان عدد من القرى الواقعة شمال نهر الليطاني، مطالباً الأهالي بمغادرة منازلهم فوراً والابتعاد لمسافة لا تقل عن ألف متر.
وشملت التحذيرات بلدات عرنايا وعنقون وكفرفيلا، قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل قرى إضافية، وسط مؤشرات على استعداد الجيش الإسرائيلي لتنفيذ عمليات عسكرية جديدة في تلك المناطق.
وتزامنت أوامر الإخلاء مع سلسلة من الغارات الجوية والقصف المدفعي استهدفت مناطق متفرقة من جنوب لبنان، في تصعيد وصفه مراقبون بأنه الأكبر منذ الإعلان عن التفاهمات الأخيرة الخاصة بوقف إطلاق النار.
شهداء وجرحى في صور والنبطية
ميدانياً، استهدفت الغارات الإسرائيلية بلدات عدة في قضاءي صور والنبطية، ما أدى إلى سقوط ضحايا بين المدنيين.
وفي بلدة برج قلاويه بقضاء صور، استشهد شخص وأصيب آخر جراء قصف مباشر، بينما أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية على محيط مستشفى جبل عامل مستهدفة مبنى تابعاً لبنك عودة للمرة الثانية خلال ساعات.
كما أصيب 12 شخصاً في الغارة التي استهدفت محيط المستشفى، وسط عمليات إنقاذ وإسعاف نفذتها فرق الدفاع المدني اللبناني.
وفي محافظة النبطية، استشهد 4 أشخاص في بلدة الدوير وحدها، بينهم 3 سقطوا في غارة استهدفت البلدة بشكل مباشر، فيما أدى قصف آخر إلى تدمير مبنى قرب مخفر الدرك ومقتل شخص وإصابة آخر.
وامتدت الهجمات لتشمل بلدات حبوش وعبا وكفررمان والنبطية الفوقا وشوكين وميفدون، إضافة إلى محيط مستديرة حاروف – تول، في حين تعرضت بلدة مجدل زون ومنطقة البراك عند مفرق العدوسية لغارات منفصلة.
حزب الله يرد بعمليات جديدة
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة عمليات ضد القوات الإسرائيلية المنتشرة في جنوب لبنان.
وأكد الحزب أنه تصدى لطائرتين مسيرتين إسرائيليتين في أجواء النبطية وكفرملكي وأجبرهما على الانسحاب، كما استهدف تجمعات للقوات الإسرائيلية قرب قلعة الشقيف بقصف مدفعي متكرر.
وأعلن الحزب كذلك تفجير عبوات ناسفة بقوة إسرائيلية حاولت التقدم نحو بلدة الغندورية، إضافة إلى تنفيذ هجوم بمسيّرات انقضاضية ضد موقع عسكري إسرائيلي مستحدث في منطقة العديسة.
واعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل قائد دبابة في لواء المدرعات السابع خلال المعارك الدائرة في جنوب لبنان، بعد إصابة مباشرة لدبابته بصاروخ مضاد للدروع.
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد تحدثت، أمس الخميس، عن مقتل جندي وإصابة آخرين إثر استهدافهم بطائرة مسيرة أطلقها حزب الله، فيما أقر الجيش الإسرائيلي بإصابة 63 ضابطاً وجندياً خلال أربعة أيام فقط من القتال.
خلافات حول اتفاق وقف إطلاق النار
سياسياً، تتزايد الشكوك بشأن مصير اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته واشنطن عقب الجولة الرابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.
فبينما أكدت الإدارة الأميركية أن الاتفاق يتضمن وقفاً كاملاً لنيران حزب الله وإبعاد عناصره عن جنوب نهر الليطاني، فيما أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رفضه القاطع لما وصفه بـ"النتائج العبثية والمذلة" للمفاوضات.
واعتبر قاسم أن الإعلان الأميركي يمثل خريطة طريق لفرض شروط إسرائيلية على لبنان، مؤكداً أن شرائح واسعة من اللبنانيين ترفض هذه التفاهمات.
نتنياهو: لا اتفاق حتى الآن
من جهته، أكد رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ بعد، مشيراً إلى أن رفض حزب الله له حال دون عرضه على المجلس الوزاري المصغر للمصادقة.
وخلال اجتماع "الكابينت"، قال نتنياهو إن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي سيطرت عليها داخل الأراضي اللبنانية قبل تحقيق هدفها المعلن المتمثل في تفكيك البنية العسكرية لحزب الله.
كما تحدث عن نية إسرائيل الإبقاء على منطقة أمنية عازلة تمتد على طول الحدود الشمالية، مع استمرار العمليات العسكرية ضد مواقع الحزب.
وأثارت تصريحات نتنياهو خلافات داخل الحكومة الإسرائيلية، حيث طالب وزراء متشددون بتوسيع العمليات العسكرية بدلاً من التوجه نحو وقف إطلاق النار.
تهديدات إسرائيلية باستهداف بيروت
وفي مؤشر جديد على احتمالات اتساع المواجهة، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس باستهداف العاصمة اللبنانية بيروت إذا تعرضت التجمعات السكنية الإسرائيلية لأي هجمات من جانب حزب الله.
وأكد كاتس أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته البرية والجوية داخل ما وصفها بالمنطقة الأمنية في جنوب لبنان، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية تحتفظ بحرية كاملة للتحرك عسكرياً بدعم أميركي.
حصيلة ثقيلة للحرب
وتأتي هذه التطورات في وقت تستمر فيه الحرب التي توسعت منذ مارس الماضي على خلفية المواجهة الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران.
ووفق البيانات الرسمية اللبنانية، أسفرت الهجمات الإسرائيلية منذ ذلك الحين عن مقتل أكثر من 3500 شخص وإصابة ما يزيد على 10 آلاف آخرين، فضلاً عن نزوح أكثر من مليون مواطن من مناطق الجنوب والبقاع.

