يدخل نجوم كرة القدم كأس العالم بحثًا عن اللقب، أو الهدف، أو اللحظة التي تضع أسماءهم في ذاكرة اللعبة. ومع اقتراب مونديال 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تبدو النسخة الجديدة أكثر إغراءً لتحطيم الأرقام، بعدما ارتفع عدد المنتخبات إلى 48، وعدد المباريات إلى 104، بما يمنح اللاعبين فرصًا أكبر للظهور والتسجيل والمشاركة. لكن في المقابل، تبقى هناك أرقام كأنها وُضعت خارج الزمن؛ يمكن الاقتراب منها، وربما معادلتها، لكن كسرها في هذه النسخة يبدو شبه مستحيل، أو مؤجلًا على الأقل إلى مونديال 2030.

 

العمر يكتب التاريخ.. لكنه لا يمنح الرقم بسهولة

 

يبقى الكاميروني روجيه ميلا صاحب واحد من أكثر الأرقام صمودًا في تاريخ البطولة، بعدما سجل في مونديال 1994 وهو في عمر 42 عامًا و39 يومًا، ليصبح أكبر لاعب يسجل هدفًا في كأس العالم. في مونديال 2026، تبدو الفرصة النظرية الوحيدة لكسر هذا الرقم مرتبطة باسم حارس اسكتلندا كريج جوردون، باعتباره أكبر لاعب في القوائم، لكن تحويل حارس مرمى لهذا الاحتمال إلى هدف فعلي يبدو أقرب إلى الخيال الكروي.

 

أما كريستيانو رونالدو، فرغم أنه سيخوض البطولة وهو في الحادية والأربعين من عمره، فإن أي هدف جديد له سيعزز أسطورته الشخصية، لكنه لن يكسر رقم ميلا. الرقم هنا لا ينتظر نجمًا كبيرًا فقط، بل ينتظر لاعبًا أكبر سنًا يسجل، وهي معادلة نادرة جدًا في كرة القدم الحديثة.

 

الرقم العربي الأبرز يبقى باسم عصام الحضري، الذي شارك في مونديال 2018 بعمر 45 عامًا و161 يومًا، ليصبح أكبر لاعب يظهر في تاريخ كأس العالم، كما تصدى لركلة جزاء أمام السعودية. جوردون، رغم تقدمه في العمر، لا يملك فرصة تجاوز هذا الرقم في 2026، ما يجعل إنجاز الحضري آمنًا حتى إشعار آخر.

 

وعلى الطرف الآخر من العمر، يقف بيليه برقم شديد الصعوبة، بعدما ظهر في نهائي 1958 وسجل وهو في عمر 17 عامًا و249 يومًا. وجود المكسيكي جيلبرتو مورا، أصغر لاعبي نسخة 2026، يمنح البطولة بريقًا خاصًا، لكنه لن يكون قادرًا على كسر رقم بيليه في النهائي حتى لو وصلت المكسيك إلى المباراة الأخيرة، لأن النهائي سيقام بعد تجاوزه هذا العمر.

 

الشارة والمقعد الفني.. أرقام الزعامة التي لا تتكرر

 

ليست كل أرقام كأس العالم مرتبطة بالأهداف والدقائق. هناك أرقام تصنعها القيادة والاستمرارية، وعلى رأسها رقم المكسيكي رافائيل ماركيز، اللاعب الوحيد الذي حمل شارة قيادة منتخب بلاده في 5 نسخ مختلفة من كأس العالم. هذا الرقم لا يحتاج إلى موهبة فقط، بل إلى عمر دولي طويل، وثقة متجددة من المدربين، وقدرة على البقاء قائدًا وسط أجيال متعاقبة.

 

كريستيانو رونالدو يملك فرصة الاقتراب من هذا الرقم أو معادلته من زاوية القيادة، إذا شارك قائدًا للبرتغال في 2026، لكنه لن يستطيع كسره في هذه النسخة. وحتى لو عاد الرقم للواجهة عبر نجوم آخرين، فإن تجاوزه يحتاج إلى نسخة إضافية، أي إلى انتظار 2030 على الأقل.

 

وعلى مقاعد المدربين، يظل البرازيلي كارلوس ألبرتو بيريرا علامة خاصة، بعدما قاد منتخبات مختلفة في 6 نسخ من كأس العالم، من بينها تتويجه مع البرازيل عام 1994. كان هناك حديث متكرر عن كارلوس كيروش كاسم قريب من هذا الرقم، لكن وفق معيار قيادة المنتخبات خلال النهائيات نفسها، فإن مونديال 2026 مع غانا يجعله في مشاركته الخامسة كمدرب في البطولة، لا السادسة، ليبقى رقم بيريرا محفوظًا في القمة.

 

هذه الأرقام تحديدًا تكشف وجهًا مختلفًا لكأس العالم: البطولة لا تكافئ اللاعب أو المدرب في لحظة واحدة فقط، بل تكافئ من ينجو من تغيّر الأجيال، وضغط الجماهير، وتبدل الخطط، ويعود مرة بعد مرة إلى المسرح نفسه.

 

معجزات المباراة الواحدة.. وأرقام تحتاج إلى سيناريو غير طبيعي

 

هناك أرقام لا تبدو مستحيلة لأنها قديمة فقط، بل لأنها تحتاج إلى مباراة خارجة عن المنطق. الروسي أوليج سالينكو سجل 5 أهداف في مباراة واحدة أمام الكاميرون عام 1994، وهو رقم ما زال صامدًا رغم مرور أجيال من الهدافين الكبار. زيادة عدد مباريات مونديال 2026 قد تمنح المهاجمين فرصًا أكثر، لكنها لا تجعل تسجيل خماسية في مباراة واحدة أمرًا عاديًا. يحتاج الأمر إلى خصم منهار، ومهاجم في يوم مثالي، وفريق لا يتوقف عن الهجوم حتى بعد الحسم.

 

أما جوست فونتين، فترك رقمًا أكثر قسوة: 13 هدفًا في نسخة واحدة عام 1958. نظريًا، قد تساعد النسخة الجديدة المهاجمين، لأن الفريق الواصل إلى النهائي قد يلعب 8 مباريات بدلًا من 7، لكن تسجيل 13 هدفًا لا يزال يتطلب معدلًا تهديفيًا مرعبًا. هدافو العصر الحديث قد يملكون الجودة، لكن كرة القدم أصبحت أكثر تنظيمًا، والدفاعات أكثر صلابة، والتدوير أكثر حضورًا.

 

ويأتي رقم يوسيب شيمونيتش في خانة الطرائف التي يصعب تكرارها: اللاعب الكرواتي تلقى 3 بطاقات صفراء في مباراة واحدة أمام أستراليا عام 2006 قبل طرده، بعد خطأ تحكيمي شهير. في زمن الاتصال الدائم بين طاقم الحكام، والتوثيق اللحظي للبطاقات، وتقنيات المراجعة والتنبيه، يبدو تكرار مثل هذا المشهد شبه مستحيل.

 

أما ليونيل ميسي، فقد دخل 2026 وهو صاحب رقم أكبر عدد من الدقائق في تاريخ كأس العالم بـ2314 دقيقة. مشاركته الجديدة ستجعل الرقم يبتعد أكثر، ما يصعب مهمة أي مطارد، وعلى رأسهم رونالدو. فحتى لو ذهب البرتغالي بعيدًا، فإن استمرار ميسي في اللعب سيحوّل الرقم إلى جدار أعلى، لا إلى هدف قريب.