كشفت تصريحات الدكتور حسين عيسى نائب رئيس الوزراء للشئون الإقتصادية، عن حصول مناخ الاستثمار في مصر على تقييم 4 من 10، بينما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع واردات السلع الاستهلاكية المعمرة إلى 764.8 مليون دولار خلال يناير وفبراير 2026، بما يعكس فشل الحكومة في تحويل الاستهلاك إلى إنتاج.
وتحول هذا الرقم إلى إدانة اقتصادية مباشرة للحكومة، لأن المستثمر والمواطن يواجهان النتيجة نفسها من زاويتين مختلفتين، فالأول يرى سوقا غير مستقرة ومخاطر عالية، والثاني يدفع ثمن الجنيه الضعيف والفائدة المرتفعة والسلع المستوردة التي تلتهم دخله من دون بديل محلي قوي.
مناخ استثمار منخفض وثقة غائبة خلف خطاب الإصلاح
بحسب ما نُقل عن الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، جاء تقييم مناخ الاستثمار عند 4 من 10 خلال ندوة اقتصادية في غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة، وهو رقم لا يحتاج إلى تجميل حكومي، لأنه يضع بيئة الأعمال في خانة أزمة ثقة واضحة.
كما يكتسب تصريح عيسى خطورته من موقعه داخل السلطة التنفيذية، لا من موقع خصومها، إذ يعترف مسؤول اقتصادي رفيع بأن الاستثمار لا يتحرك في بيئة جاذبة، بينما تواصل الحكومة تقديم نفسها باعتبارها أنجزت إصلاحات كافية لجذب رأس المال المحلي والأجنبي.
وفي هذا السياق، يخدم رأي حسين عيسى محور الثقة الاستثمارية المفقودة، لأنه ربط الاستثمار بعناصر محددة مثل وضوح الرؤية واستقرار السياسات، وهذه العناصر لا تتحقق بالشعارات، بل بقرارات ثابتة وسعر صرف يمكن توقعه وإجراءات لا تستهلك وقت المستثمر وطاقته.
ثم جاءت تقييمات رجال أعمال وممولين لتؤكد أن الرقم ليس زلة لسان حكومية، فقد منح شريف الخولي، المدير الإقليمي لشركة أكتيس، المناخ نفسه تقييم 4 من 10، وهو ما يعني أن المستثمر المؤسسي يرى العيوب نفسها من داخل السوق لا من خارجه.
لذلك تبدو أزمة الاستثمار مرتبطة بطريقة إدارة الدولة للاقتصاد، لأن الحكومة وسعت حضورها في مجالات عديدة، ورفعت تكلفة التمويل، وأبقت إجراءات السوق ثقيلة، ثم طلبت من القطاع الخاص ضخ أموال جديدة في بيئة لا توفر له ضمانة كافية ولا رؤية مستقرة.
ديون وفائدة وجنيه ضعيف تضرب الإنتاج والمواطن
بالتوازي مع أزمة الثقة، تكشف تصريحات عيسى بشأن الدين العام أن الخلل لم يعد محصورا في مناخ الأعمال، إذ وصف وضع الدين بأنه مأساوي، وأشار إلى أن خدمة الدين تلتهم نحو 60% من إيرادات الدولة، وهو اعتراف يكشف ثمن الاقتراض الحكومي الطويل.
ومن هنا يصبح ارتفاع الفائدة مشكلة إنتاجية واجتماعية في وقت واحد، لأن المصنع لا يستطيع التوسع مع تكلفة تمويل خانقة، والتاجر يضيف تكلفة التمويل إلى السعر، والمواطن يشتري السلعة النهائية بعد أن تمر عبر سلسلة من الضغوط التي صنعتها قرارات الحكومة.
كذلك يوضح تقييم علاء السبع، الشريك المؤسس في بي بي آي بارتنرز، عمق القلق داخل القطاع الخاص، بعدما منح مناخ الاستثمار 2 من 10، وهذا التقييم يخدم محور التمويل والإنتاج، لأنه يعكس نظرة أكثر قسوة إلى بيئة لم تعد تقنع أصحاب رأس المال بالمخاطرة.
وعلى هذا الأساس، لا يكفي أن تتحدث الحكومة عن مشروعات كبرى أو تسهيلات جزئية، لأن المستثمر يقيس النتيجة في قدرته على التخطيط والتصدير والربح، بينما تذهب موارد عامة واسعة إلى خدمة الدين بدلا من تخفيض أعباء الصناعة والزراعة والتكنولوجيا.
في الإطار نفسه، جاء تعليق رئيس حزب الجيل الديمقراطي ناجي الشهابي هامشيا لكنه كاشف، إذ قال إن تراجع الجنيه وارتفاع أسعار الفائدة والاعتماد على الاستيراد والاقتراض أضعفت الإنتاج وأثقلت كاهل المواطن، وهو تشخيص يلتقي مع الأرقام لا مع السجال السياسي المعتاد.
وبذلك تتراكم الأزمة على المواطن من أكثر من باب، فضعف الجنيه يرفع تكلفة المستورد، والفائدة ترفع تكلفة الإنتاج، والدين يضغط على الموازنة، والحكومة تطلب من الناس تحمل النتائج بينما لم تقدم مسارا إنتاجيا مستقرا يخفف الضغط على الأسعار وفرص العمل.
واردات السلع المعمرة تكشف فجوة الإنتاج المحلي
وأظهر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن واردات السلع الاستهلاكية المعمرة سجلت 764.8 مليون دولار في أول شهرين من 2026، مقابل 693.3 مليون دولار في الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت 71.4 مليون دولار، وهي زيادة تقرأ مباشرة كضغط على العملة الصعبة.
وتقود سيارات الركوب هذه الزيادة بصورة واضحة، إذ ارتفعت وارداتها إلى 572.62 مليون دولار خلال يناير وفبراير 2026، مقابل 465.88 مليون دولار في الفترة نفسها من العام السابق، بما يكشف أن السوق المحلي ما زال يعتمد على الخارج في بند كبير ومكلف.
إضافة إلى ذلك، ارتفعت واردات شاشات التلفزيون إلى 3.7 مليون دولار مقابل 2.1 مليون دولار، وقفزت واردات الهواتف المحمولة إلى 1.1 مليون دولار مقابل 454 ألف دولار، وهذه الأرقام الصغيرة نسبيا تحمل دلالة أكبر عن ضعف التصنيع المحلي في سلع واسعة الطلب.
غير أن بعض البنود تراجعت بالفعل، فقد انخفضت واردات الثلاجات إلى 18.4 مليون دولار مقابل 21.5 مليون دولار، وتراجعت واردات الغسالات إلى 1.3 مليون دولار مقابل 4.2 مليون دولار، لكن هذه الانخفاضات الجزئية لا تغير اتجاه الصورة العامة بعد ارتفاع إجمالي الواردات.
كما تراجعت واردات الأشرطة والأقراص الممغنطة إلى 2.2 مليون دولار مقابل 3.5 مليون دولار، وانخفضت واردات الأثاث وحوامل الفرش إلى 17.5 مليون دولار مقابل 21.7 مليون دولار، وهي تفاصيل تؤكد أن بعض البنود هبطت من دون أن يتحول ذلك إلى سياسة إحلال إنتاجي واضحة.
هنا يخدم رأي وائل زيادة، رئيس زيلا كابيتال، محور فجوة الإنتاج عندما منح مناخ الاستثمار 5 من 10، لأن تقييمه المتوسط لا يمنح الحكومة صكا بالنجاح، بل يقول إن السوق تحمل فرصا معطلة تحتاج إلى سياسات أكثر ثباتا وقطاع خاص أكثر قدرة على العمل.
ولذلك يرتبط رقم الواردات بتقييم الاستثمار بصورة مباشرة، لأن ضعف البيئة الاستثمارية يمنع توطين صناعة السيارات والأجهزة والهواتف، ثم تضطر السوق إلى الاستيراد، وبعدها تشتكي الحكومة من ضغط الدولار، كأنها ليست الطرف الذي صمم السياسات التي أبقت الإنتاج المحلي ضعيفا.
في المقابل، يطرح الشهابي ضرورة منح الأولوية للصناعة والزراعة والتكنولوجيا وزيادة الصادرات وبناء اقتصاد وطني مستقل يحقق الاكتفاء الذاتي ويرشد الاستيراد، وتكتسب هذه الدعوة معناها من الأرقام المنشورة، لا من موقع صاحبها، لأنها ترد على عجز عملي في نموذج الحكومة.
وهكذا لا يحتاج المشهد إلى توازن مصطنع، فالحكومة تواجه رقما منخفضا في الاستثمار ورقما مرتفعا في واردات السلع المعمرة ورقما ثقيلا في خدمة الدين، وكل رقم يسند الآخر في رسم صورة اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج ويقترض أكثر مما يبني قدرة حقيقية.
في الخلاصة، تكشف الأزمة أن الحكومة لا تدفع ثمن قرار واحد، بل ثمن مسار كامل جعل الاستثمار مترددا والإنتاج ضعيفا والدين خانقا والواردات مرتفعة، ولذلك يصبح تقييم 4 من 10 عنوانا لحالة اقتصادية أوسع، لا مجرد رقم قيل في ندوة وانتهى أثره.

