يستعد البنك المركزي المصري لطرح أذون خزانة حكومية بقيمة إجمالية تبلغ 75 مليار جنيه غدًا الأحد، في أول عطاء لأدوات الدين قصيرة الأجل بعد اجتماع لجنة السياسة النقدية الأول في عام 2026، في خطوة تبدو فنيًا كجزء من إدارة السيولة، لكنها سياسيًا واقتصاديًا امتداد لمسار مستمر في عهد عبد الفتاح السيسي يعتمد على الاستدانة المحلية المكثفة لسد عجز موازنة متفاقم بدل معالجة جذور الأزمة، وسط تحذيرات متكررة من خبراء بأن كلفة هذا المسار تسدد من جيوب المصريين عبر الضرائب والتضخم وتآكل الخدمات العامة.

 

عطاء جديد بـ 75 مليار بعد اجتماع السياسة النقدية

 

بحسب البيانات الرسمية، ينقسم عطاء الأحد إلى شريحتين، الأولى بقيمة 25 مليار جنيه لأجل 91 يومًا، تصدر في 24 فبراير 2026 وتستحق في 26 مايو 2026، بينما تبلغ الشريحة الثانية 50 مليار جنيه لأجل 273 يومًا، تصدر في 24 فبراير 2026 وتستحق في 24 نوفمبر 2026، وهي آجال تعتبرها البنوك والمؤسسات المالية مفضلة بسبب قصر مدتها وإمكانية إعادة توظيف السيولة سريعًا في عطاءات جديدة، ما يجعل الجهاز المصرفي في حالة دوران دائم داخل حلقة أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل.

 

يطرح البنك المركزي هذه الأذون نيابة عن وزارة المالية لتدبير احتياجات الموازنة وتعزيز السيولة، في توقيت يعكس استمرار اعتماد الدولة على الدين المحلي القصير لتمويل العجز وسداد التزامات سابقة، بدل الاعتماد على إصلاحات إنتاجية ترفع الإيرادات الحقيقية من ضرائب عادلة وصادرات واستثمار مباشر، وهو نمط بات ثابتًا في السياسة المالية خلال السنوات الأخيرة، رغم تصريحات حكومية متكررة عن “إدارة رشيدة للدين” و“تنويع مصادر التمويل”.

 

تفاصيل الأذون الجديدة: آجال قصيرة… وفاتورة طويلة على المجتمع

 

أذون الخزانة هي أدوات دين حكومية قصيرة الأجل، بآجال تتراوح عادة بين 3 و9 أشهر، تُباع بخصم على القيمة الاسمية، ويحصل المستثمر على القيمة الكاملة عند الاستحقاق، فيكون الفرق بين سعر الشراء والقيمة الاسمية هو العائد، والحكومة تعتمد عليها دوريًا لتغطية عجز الموازنة وسداد التزامات قصيرة الأجل، بينما يتولى البنك المركزي تنظيم المزادات لصالح وزارة المالية، في آلية يفترض أن تكون استثنائية أو مرحلية لكنها تحولت في عهد السيسي إلى عمود رئيسي لتمويل الدولة.

 

الخطير أن هذه الأذون، رغم قصر آجالها، لا تُستخدم كجسر مؤقت نحو توازن مالي، بل ضمن خطة معلنة من وزارة المالية لزيادة الاعتماد على أدوات الدين المحلية؛ فقد أشارت تقارير إلى أن الحكومة تخطط لإصدار أدوات دين محلية بقيمة 1.647 تريليون جنيه في ربع واحد فقط من العام، مقابل 1.055 تريليون في نفس الفترة من العام السابق، ما يعني مضاعفة الاعتماد على الاقتراض القصير لسد فجوة تمويلية تتسع رغم الحديث عن تدفقات دولارية وتحسينات شكلية في الاحتياطي.

 

دين قصير الأجل لسد عجز متراكم: سياسة ثابتة في عهد السيسي

 

ليست قيمة 75 مليار جنيه في هذا العطاء استثناء، بل حلقة في سلسلة؛ فوزارة المالية أعلنت في وقت سابق نيتها تغطية عجز الموازنة عبر إصدار أدوات دين محلية بقيمة تقارب 2.2 تريليون جنيه في صورة أذون خزانة، إلى جانب نحو 928.9 مليار جنيه سندات خزانة خلال موازنة 2024/2025، وهي أرقام تعكس اعتمادًا ممنهجًا على الاستدانة الداخلية لتدوير العجز بدل تخفيضه هيكليًا.

 

هذا المسار يجعل الاقتصاد عالقًا في دائرة “دين جديد لسداد دين قديم”، حيث تُستخدم حصيلة الأذون والسندات لسداد التزامات فوائد وأصول مستحقة، مع توسع متواصل في الحجم الكلي للدين، في ظل غياب نقاش عام حقيقي حول أولويات الإنفاق بالجنيه أو بالعملات الأجنبية، وحول مسؤولية السلطة التنفيذية عن اختيار التمويل بالدين كخيار أول، بينما تُصوَّر الأذون في الخطاب الرسمي كإجراء تقني طبيعي لا علاقة له بالسياسة.

 

خبراء يحذرون: الفوائد تلتهم الموازنة وتخنق الاستثمار

 

الباحثة الاقتصادية سلمى حسين وثقت في دراسات سابقة أن خدمة الدين – داخليًا وخارجيًا – تلتهم نحو نصف إيرادات الموازنة في بعض الأعوام، محذرة من أن هذا الوضع يحوّل الدولة إلى “آلة لتحصيل الضرائب من أجل دفع الفوائد للدائنين”، ويقلص الموارد المتاحة للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، خاصة في ظل برامج متكررة مع صندوق النقد الدولي تشجع على مزيد من الاقتراض مقابل إجراءات تقشفية يتحملها الفقراء والطبقة الوسطى.

 

الخبير الاقتصادي مدحت نافع حذر هو الآخر من أن الدين الخارجي وفوائده يلتهم جزءًا كبيرًا من الموازنة العامة، مطالبًا بحل جذري لا يقتصر على إعادة جدولة أو إصدار أدوات دين جديدة، بل يتطلب تغييرًا في نمط الإدارة الاقتصادية نفسه، وهو تحذير ينطبق أيضًا على الدين المحلي الذي تمثل أذون الخزانة جزءًا متزايدًا منه، ويُسدد من خلال ضرائب غير مباشرة ورفع أسعار الخدمات، بينما لا يرى المواطن مقابلًا في جودة البنية التحتية أو الخدمات.

 

من زاوية أخرى، أشار الخبير هاني توفيق أكثر من مرة إلى أن إعادة تدوير السيولة من سوق الأسهم إلى أدوات الدين الحكومية يعكس تحوّل البورصة إلى مجرد “مخزن للقيمة” للأفراد، وأن البنوك والشركات تفضّل إقراض الدولة بعوائد مرتفعة شبه مضمونة بدل المخاطرة في تمويل استثمار إنتاجي، ما يعني أن سياسة السيسي القائمة على توسيع أدوات الدين لا تضغط فقط على الموازنة، بل تزاحم القطاع الخاص وتخنق فرص النمو الحقيقي.

 

أذون الخزانة: أداة فنية أم عرض لمرض مالي وسياسي؟

 

من الناحية الفنية، تبدو أذون الخزانة أداة إدارة سيولة عادية تستخدمها الحكومات في العالم، لكن حجم الاعتماد عليها في مصر، وتواتر العطاءات، ومستويات العائد المرتفعة، كلها مؤشرات على خلل أعمق في نموذج الحكم، حيث اختارت السلطة، منذ 2013، مسار الاقتراض المتكرر من الداخل والخارج لتمويل مشروعات ضخمة عالية الكلفة أو إنفاق جارٍ، بدل بناء قاعدة إنتاجية توسع القاعدة الضريبية وتخفض الحاجة للديون، وهو ما وصفه الباحث عمرو عدلي في تحليله لمسار الاقتصاد المصري بأنه انتقال إلى “رأسمالية فاشلة” تعتمد على تحالف الدولة مع القطاع المالي الكبير، على حساب أغلبية السكان والقطاع الإنتاجي.

 

بهذا المعنى، يصبح عطاء 75 مليار جنيه الجديد ليس مجرد سطر في جدول مزاد، بل شاهدًا إضافيًا على سياسة مالية ترهن مستقبل الأجيال القادمة في مقابل شراء وقت قصير لحكومة تفضّل الحل الأسهل سياسيًا – الاستدانة – على الخيارات الأصعب التي تتطلب شفافية، ومحاسبة، وإعادة توزيع فعلي للأعباء والثروات، وفي ظل هذا النهج، يظل السؤال مفتوحًا: إلى متى يمكن لنظام يصفه خصومه بأنه “قائم على الديون” أن يواصل تمويل نفسه بأذون وسندات، بينما تتآكل قدرة المجتمع على تحمل تكلفة كل عطاء جديد؟