تعهد محامو محمود خليل خريج جامعة كولومبيا في نيويورك باللجوء إلى المحكمة العليا الأمريكية بعد رفض محكمة استئناف الدائرة الثالثة في فيلادلفيا طلب إعادة النظر في حكمها بأغلبية 6 أصوات مقابل 5 مما يفتح الباب أمام إدارة دونالد ترامب لإعادة اعتقاله وترحيله.

 

ويكشف القرار مسارا سياسيا عقابيا ضد ناشط مؤيد لفلسطين لم تعلن السلطات اتهامه بجريمة جنائية واضحة بينما تستخدم إدارة ترامب قانون الهجرة كأداة ضغط على الطلاب الأجانب وترسل رسالة مباشرة إلى الجامعات بأن معارضة حرب إسرائيل على غزة قد تتحول إلى ملف ترحيل.

 

 

محكمة الاستئناف تمنح إدارة ترامب طريقا جديدا للاعتقال

 

بدأ التصعيد القضائي عندما رفضت محكمة استئناف الدائرة الثالثة طلب خليل بعرض القضية مجددا على كامل هيئة المحكمة بعد حكم سابق صدر في يناير أكد أن قاضي المحكمة الأدنى درجة لا يملك اختصاصا قضائيا لإصدار أمر الإفراج عنه من احتجاز الهجرة.

 

وبناء على ذلك أبقى الحكم قرار الهيئة الثلاثية قائما رغم انقسام المحكمة بوضوح لأن 6 قضاة عيّنهم رؤساء جمهوريون صوتوا ضد إعادة النظر بينما صوت 5 قضاة عيّنهم رؤساء ديمقراطيون لصالح فتح الملف مجددا أمام مراجعة أوسع.

 

كما يدفع القرار القضية إلى المحكمة العليا الأمريكية لأن فريق الدفاع يرى أن الدائرة الثالثة منعت مراجعة قضائية جدية لاحتجاز سياسي الطابع وسمحت للسلطة التنفيذية بفرض عقوبة فعلية على شخص بسبب خطاب محمي داخل الحرم الجامعي.

 

وقال باهر عزمي محامي خليل في مركز الحقوق الدستورية إن الحكم يقر احتجاز شخص في ظروف مطولة وقاسية دون مراجعة قضائية ذات معنى بهدف معاقبته وردع آخرين عن معارضة السياسة الخارجية الأمريكية وتخدم شهادته محور الاختصاص القضائي لأنها تربط الإجراء القانوني بالعقاب السياسي.

 

ومن ثم لا يظهر الخلاف باعتباره نزاعا إجرائيا ضيقا حول المحكمة المختصة فقط بل يظهر كمعركة على قدرة القضاء الفيدرالي على وقف احتجاز مرتبط بحرية التعبير قبل أن تنهي محاكم الهجرة إجراءات قد تستغرق وقتا طويلا وتترك المحتجز تحت سلطة الإدارة.

 

 

حملة ترامب على طلاب فلسطين تتحول إلى ترحيل

 

في مارس 2025 اعتقل موظفو إدارة الهجرة محمود خليل داخل بهو سكنه الجامعي في مانهاتن رغم أنه كان مقيما دائما قانونيا وحاملا للبطاقة الخضراء وجاء الاعتقال بعد بروزه في احتجاجات جامعة كولومبيا المؤيدة لفلسطين والمنددة بحرب إسرائيل على غزة.

 

ثم نقلت السلطات خليل إلى مركز احتجاز للمهاجرين في لويزيانا حيث بقي أشهرا قبل أن يأمر القاضي الفيدرالي مايكل فاربيارز في نيوجيرزي بالإفراج عنه في يونيو 2025 بعد نظر دفوع فريقه بشأن الاحتجاز والترحيل والحقوق الدستورية.

 

وفي يناير 2026 ألغت هيئة من محكمة الدائرة الثالثة قرار فاربيارز بأغلبية 2 مقابل 1 وقالت إن قانون الهجرة والجنسية لا يسمح للمحكمة المحلية بنظر دفوع خليل بهذه الطريقة وأن الطعن يجب أن يمر عبر مسار أمر الترحيل الصادر من قاضي الهجرة.

 

وقال بريت ماكس كوفمان كبير محامي الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية إن المحاكم الفيدرالية يجب أن تملك سلطة التدخل عندما تستغل الحكومة نظام الهجرة لمعاقبة أشخاص على خطابهم المحمي دستوريا وتخدم شهادته محور الحريات لأنها تنقل القضية من ملف إقامة إلى ملف قمع سياسي.

 

ولهذا تضع إدارة ترامب الطلاب الأجانب أمام تهديد لا يخص خليل وحده لأن الرسالة تتجاوز شخصا واحدا إلى كل طالب أو مقيم يشارك في نشاط مؤيد لفلسطين أو يعارض السياسة الخارجية الأمريكية داخل جامعة أمريكية أو أمامها.

 

 

أمر الترحيل يضع الجزائر وسوريا في قلب الخطر

 

وفي أبريل 2026 رفض مجلس طعون الهجرة استئناف خليل على أمر قاضي الهجرة بترحيله إلى الجزائر أو سوريا وهو تطور خطير لأن خليل ولد في مخيم للاجئين الفلسطينيين في سوريا ويحمل صلة قانونية بالجزائر عبر الجنسية التي اعتمدتها السلطات في ملف الترحيل.

 

وبعد قرار الدائرة الثالثة رحبت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية بالحكم وقال متحدث باسمها إن الوزارة ستعمل على تنفيذ أمر الترحيل القانوني لخليل كما حثته على استخدام تطبيق إدارة الهجرة والجمارك للمغادرة الذاتية قبل أن يتم القبض عليه وترحيله ومنعه من العودة.

 

غير أن هذا الخطاب الحكومي يكشف قسوة سياسية متعمدة لأن الإدارة لا تقدم القضية كملف قانوني قابل للمراجعة بل كتهديد علني لناشط فلسطيني الصوت بضرورة الخروج بنفسه وإلا واجه الاعتقال والترحيل وفقدان فرصة العودة إلى البلاد.

 

كما تقول محامية الدفاع إن خليل يواجه خطرا إذا أُعيد إلى سوريا أو الجزائر بسبب الشهرة التي صنعتها القضية والخصومة السياسية حول نشاطه المؤيد لفلسطين وهو ما يجعل تنفيذ الترحيل قبل مراجعة المحكمة العليا قرارا يصعب إصلاح نتائجه لاحقا.

 

ومن ناحية أخرى لم تحسم محكمة الدائرة الثالثة جوهر السؤال الدستوري المتعلق بما إذا كانت محاولة إدارة ترامب طرد خليل بسبب نشاطه الجامعي وانتقاده إسرائيل غير دستورية بل حوّلت النزاع إلى مسار اختصاص يترك هذا السؤال معلقا.

 

 

القضاء بين حماية الحقوق وترك السلطة تراقب نفسها

 

في رأيها المخالف قالت القاضية شيريل آن كراوس إن قرار المحكمة يقيد قدرة القضاء على حماية الحريات المدنية لغير المواطنين مثل خليل وأكدت أن القضاء لا يستطيع أداء دوره إذا كتب نفسه خارج المشهد وترك السلطة التنفيذية تراقب نفسها.

 

وتخدم شهادة كراوس محور الرقابة القضائية لأنها صادرة من داخل المحكمة نفسها وتكشف أن الخلاف لا ينحصر بين محامين ووزارة أمن داخلي بل يمتد إلى قضاة يرون أن القرار يضعف التوازن الدستوري عندما يتعلق الأمر بغير المواطنين.

 

كذلك يبرز انقسام الأصوات 6 مقابل 5 حجم التسييس داخل القضية لأن الأغلبية جاءت من قضاة عيّنهم رؤساء جمهوريون بينما وقفت الأقلية المعترضة من قضاة عيّنهم رؤساء ديمقراطيون وهو انقسام يعكس أثر السياسة على ملف حريات مدنية حساس.

 

وبينما تسعى إدارة ترامب إلى تحويل ملف خليل إلى نموذج ردع فإن محاميه يطلبون وقف نفاذ قرار الدائرة الثالثة إلى حين تقديم التماس للمحكمة العليا حتى لا تستخدم الحكومة الفاصل الزمني لإعادة اعتقاله وترحيله قبل اكتمال المسار القضائي.

 

لذلك تحمل القضية اختبارا مباشرا للمحكمة العليا الأمريكية لأنها ستقرر عمليا ما إذا كان غير المواطن يستطيع طلب حماية فورية من قاض فيدرالي عندما يستخدم جهاز الهجرة ضده بسبب تعبير سياسي أم يظل محصورا داخل نظام إداري تسيطر عليه السلطة التنفيذية.

 

وفي الخلاصة تكشف قضية محمود خليل أن إدارة ترامب لا تلاحق مخالفة هجرة عادية بل تلاحق أثرا سياسيا لصوت مؤيد لفلسطين داخل جامعة أمريكية وإذا سمح القضاء بإعادة اعتقاله وترحيله فسوف يتحول نظام الهجرة إلى أداة إسكات معلنة لكل من يرفض الحرب على غزة.