كشفت شعبة المصدرين في مصر، مع اقتراب عيد الأضحى، أن تصدير الطماطم إلى دول الخليج ساهم في دفع السعر داخل الأسواق المحلية إلى نحو 80 جنيها للكيلو، فانتقل الجدل من شكاوى المواطنين إلى سؤال مباشر عن مسؤولية الحكومة عن ترك الغذاء رهينة للدولار.

 

جاءت الأزمة في توقيت تضغط فيه أسعار الغذاء على الأسر قبل العيد، بينما تواصل الحكومة التعامل مع التصدير كمسار سريع لتوفير العملة الأجنبية، من دون سياسة معلنة تضمن حق المواطنين في السلع الأساسية قبل خروجها من السوق المحلية إلى الخارج.

 

حكومة تطارد الدولار وتترك السوق بلا حماية

 

في المقابل، يرى مواطنون أن خروج السلع إلى الأسواق الخارجية يقلص المعروض الداخلي ويرفع الأسعار على المستهلك المصري، خصوصا في السلع اليومية التي لا تحتمل التخزين الطويل، بينما ترد أصوات اقتصادية بأن التصدير يوفّر العملة الأجنبية اللازمة للواردات وسداد الالتزامات الدولية.

 

لكن هذا الجدل لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها المباشرة، لأن إدارة السوق لا تعني الاختيار بين الدولار والمواطن، بل تعني تحديد كميات التصدير بعد قياس احتياجات السوق المحلية، ووضع سقف واضح يمنع تحويل الغذاء الأساسي إلى سلعة مضاربة قبل المواسم.

 

وفي مارس الماضي، أثارت دعوات اقتصاديين لوقف تصدير السلع الحيوية جدلا واسعا، بعدما طالبوا بتوجيه الإنتاج للاستهلاك المحلي ما لم يتحقق فائض كبير يغطي احتياجات السكان، غير أن منتقدين اعتبروا القرار خطرا على التدفقات الدولارية والأسواق الخارجية.

 

ثم عادت الأزمة بقوة مع الطماطم، بعدما تردد في الأسواق وصفها بأنها مجنونة وأسعارها متقلبة، وتصدرت عناوين مثل يا مجنونة يا أوطة وجنون الطماطم في العيد النقاش العام، لأن الكيلو انتقل من سلعة يومية إلى عبء جديد داخل ميزانية الأسر.

 

وقال الخبير الاقتصادي سمير رؤوف إن حل المعادلة بين توفير الدولار وكبح الغلاء يبدأ بزيادة الإنتاج، لأن السعر يتحرك وفق العرض والطلب، وعندما تسحب السلع والخضروات من السوق المحلي للتصدير يقل المعروض وترتفع الأسعار على المستهلكين.

 

لذلك حمّل رؤوف الحكومة مسؤولية فتح مشروعات إنتاجية للسلع الغذائية، وتبني أفكار عملية تضمن وفرة تكفي السوق الداخلي وتترك كميات للتصدير، مؤكدا أن الدولة مطالبة بتوفير 70% على الأقل من الاكتفاء الذاتي حتى لا يصبح المواطن آخر حلقة في حسابات العملة الصعبة.

 

تخطيط غائب يحول الطماطم إلى أزمة موسمية

 

على صعيد آخر، قال خبير التنمية الاقتصادية يسري الشرقاوي إن قرارات التصدير يجب أن تُبنى على قراءة دقيقة لاحتياجات السوق المحلية، إلى جانب حسابات توفير العملة الأجنبية، لأن التخطيط الأمثل للموارد يمثل المدخل الوحيد لضبط العلاقة بين الطلب الداخلي والأسواق العالمية.

 

وأضاف الشرقاوي أن حماية المستهلك لا تتحقق بقرارات مرتجلة بعد ارتفاع الأسعار، بل تبدأ من حساب الطلب الفعلي، ومراعاة التغيرات المناخية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة لرفع الإنتاجية، حتى لا تتحول كل فجوة في المعروض إلى موجة غلاء جديدة.

 

كما أوضح الشرقاوي أن وقف تصدير بعض السلع قد يكون إجراء مؤقتا لتهدئة الأسعار داخليا، لكنه لا يكفي وحده، لأن التوازن الحقيقي يحتاج إلى السيطرة على الأسواق الوسيطة، وتقليل حلقات التداول، وتسهيل وصول المنتج من المزرعة إلى الأسواق الكبرى.

 

وهنا تظهر المشكلة السياسية بوضوح، فالحكومة لا تعلن للرأي العام أرقاما يومية تكشف حجم الإنتاج وحجم التصدير وحجم الاستهلاك المتوقع، وتترك المواطنين أمام تصريحات متناثرة من الشعب والمنتجين والتجار، بينما يدفع المستهلك فرق الفشل في الرقابة والتخطيط.

 

ومن جهة الإنتاج، قال حسين أبو صدام نقيب الفلاحين إن ارتفاع الطماطم ارتبط بتقليص المساحات المنزرعة، وتأثر بعض المحاصيل بالتغيرات المناخية، وانتشار أمراض زراعية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والعمالة والتوزيع، وزيادة كميات التصدير مقارنة بالعام الماضي.

 

وتكشف هذه الشهادة أن الأزمة ليست لحظة عابرة في سوق الخضار، بل نتيجة سلسلة تبدأ من قرار الفلاح بتقليل الزراعة بعد انخفاض أسعار الموسم السابق، ثم تمر بفاصل العروات وتكاليف النقل، وتنتهي عند مستهلك يشتري الكيلو بأضعاف سعر خروجه من الحقل.

 

سلاسل الوسطاء تبتلع الفرق والمواطن يدفع الفاتورة

 

إلى جانب نقص المعروض، تلعب الأسواق الوسيطة دورا حاسما في تضخيم أسعار الطماطم والخضروات، لأن تعدد حلقات التداول بين المزرعة وتاجر الجملة وتاجر التجزئة يرفع السعر تدريجيا، بينما تغيب آليات رقابية فعالة تلاحق الفارق غير المبرر بين سعر الحقل وسعر المستهلك.

 

وتؤكد الأزمة أن الحكومة لا تواجه الغلاء من نقطة الإنتاج فقط، بل يجب أن تواجهه داخل سلاسل التوزيع، لأن سياسات ضخ السلع بعد ارتفاع السعر لا تمنع تكرار الأزمة، ولا تعالج احتكار الوسطاء أو ضعف منافذ البيع المباشر في المدن والقرى.

 

في الوقت نفسه، تواصل الحكومة الترويج للصادرات الزراعية باعتبارها إنجازا اقتصاديا، بعدما سجلت الصادرات ملايين الأطنان منذ بداية 2026، لكن هذه الأرقام تتحول إلى عبء سياسي عندما يرى المواطن الطماطم المصرية تغادر إلى الخارج بينما ترتفع عليه داخل السوق المحلية.

 

ولا يرفض المواطن التصدير من حيث المبدأ، لكنه يرفض أن يتحول إلى ضحية صامتة في معادلة توفر الدولار للحكومة وتترك له فاتورة الغلاء، لأن الغذاء الأساسي لا يجوز أن يخضع لمنطق السوق المفتوح من دون ضمان حد آمن من المعروض الداخلي.

 

وبينما تعلن بعض الجهات أن الأسعار قد تتراجع بعد دخول عروات جديدة، يبقى السؤال الأهم عن سبب غياب التحرك قبل الذروة، لأن انتظار انخفاض السعر بعد العيد لا يعوض الأسر التي دفعت الفاتورة في أيام الشراء المكثف للحوم والخضروات ومستلزمات الطعام.

 

وتحتاج الحكومة إلى سياسة واضحة تعلن قبل المواسم لا بعدها، تشمل تقدير الإنتاج المتوقع، وتحديد الكميات المسموح بتصديرها، وضبط الأسواق الوسيطة، وتوسيع منافذ البيع المباشر، وإلزام الجهات الرقابية بنشر بيانات مفهومة عن الأسعار من الحقل إلى المستهلك.

 

في النهاية، تكشف أزمة الطماطم أن الغلاء لم يعد نتيجة طقس أو موسم فقط، بل نتيجة إدارة رسمية تفضل الصمت حتى ينفجر السعر، ثم تبرر الأزمة بتصريحات متفرقة، بينما يدفع المصريون ثمن غياب التخطيط والرقابة من قوتهم اليومي قبل عيد الأضحى.