كشفت شكاوى متزايدة من مستفيدي الإسكان الاجتماعي في مصر عن تحول وحدات حديثة التسليم إلى ورش إصلاح يومية، بسبب سوء التشطيبات ومشكلات الصرف الصحي وتراجع كفاءة المرافق، رغم أن الدولة أعلنت تنفيذ مئات الآلاف من الوحدات ضمن مشروع يستهدف محدودي الدخل.
وتضع هذه الشكاوى وزارة الإسكان وصندوق الإسكان الاجتماعي أمام مسؤولية مباشرة، لأن المواطن الذي ينتظر الوحدة سنوات لا يستلم منحة مجانية، بل يلتزم بأقساط طويلة، ثم يجد نفسه مطالبا بدفع تكلفة إضافية لإصلاح عيوب كان يجب منعها قبل التسليم.
التسليم لا يعني السكن عندما تبدأ رحلة الإصلاح
بدأت الأزمة من لحظة استلام المفاتيح، حيث يصطدم سكان في مشروعات الإسكان الاجتماعي بتلفيات في الدهانات والأرضيات والأبواب والشبابيك، إضافة إلى مشكلات في السباكة والصرف، وهو ما يحول الانتقال إلى بيت جديد من فرحة منتظرة إلى عبء مالي ونفسي جديد.
ثم تتسع المعاناة عندما يضطر المستفيد إلى إعادة جزء من التشطيبات على نفقته الخاصة، لأن الشركة المنفذة أو جهة التسليم لا تعالج العيب بالسرعة الكافية، فيجد المواطن محدود الدخل نفسه أمام مصروفات لم تكن في حسابه بعد سنوات من الانتظار وسداد المقدمات.
كما تكشف هذه الحالة خللا في نظام الاستلام النهائي، لأن الوحدة التي تظهر فيها مشكلات أساسية بعد وقت قصير لا يمكن اعتبارها منتهية بصورة فعلية، فالتسليم الصحيح يجب أن يتضمن اختبار الصرف والكهرباء والمياه والنجارة والدهانات قبل توقيع المواطن على محضر الاستلام.
وفي هذا المحور، يخدم رأي المهندس فتح الله فوزي، رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، جوهر الأزمة، لأنه اعتبر أن الالتزام بمواعيد التسليم وجودة التنفيذ يحافظان على ثقة العملاء، بينما يؤكد واقع الشكاوى أن السرعة بلا جودة تنقل الخسارة إلى المواطن.
غياب الصيانة يحول المشروع إلى أزمة مرافق
بعد مرحلة التشطيبات تظهر مشكلة أخرى أكثر خطورة، وهي ضعف الصيانة الدورية داخل العمارات والمناطق المحيطة، لأن تكرار أعطال الصرف الصحي وتراجع النظافة وتلف المرافق العامة يضع السكان أمام أزمة جماعية لا يستطيع كل فرد حلها بمفرده داخل حدود شقته.
وبسبب ذلك يصبح الحديث عن الإسكان الاجتماعي باعتباره مشروعا للسكن الملائم ناقصا إذا غابت إدارة تشغيل وصيانة مستقرة، فالعمارة لا تحتاج إلى تسليم فقط، بل تحتاج إلى نظام دائم لإصلاح الأعطال ومتابعة المصاعد والإنارة والصرف والنظافة والمساحات المشتركة.
كذلك يوضح إطلاق صندوق الإسكان الاجتماعي منصة للشكاوى والمقترحات أن الدولة تعرف حجم الاحتكاك اليومي بين السكان والمنظومة، لكن وجود منصة لا يكفي وحده إذا بقيت الاستجابة بطيئة، لأن الشكوى التي لا تنتهي بإصلاح فعلي تتحول إلى رقم جديد في سجل الغضب.
ومن هنا تأتي أهمية رأي المهندس طارق شكري، رئيس غرفة صناعة التطوير العقاري، الذي تحدث عن حاجة القطاع العقاري إلى إعادة تنظيم شاملة ورفع كفاءة السوق، فهذه الرؤية تخدم ملف الإسكان الاجتماعي حين تتحول الرقابة من رد فعل إلى نظام يسبق العيوب.
لذلك يجب أن تقيس الحكومة نجاح المشروع بعد السكن لا عند قص شريط الافتتاح، لأن الوحدة التي تتدهور مرافقها مبكرا تفقد قيمتها الاجتماعية، وتدفع الأسرة إلى إنفاق جديد على الصيانة، وتخلق بيئة يومية من الاحتكاك بين السكان والجهات المسؤولة عن الخدمة.
المليارات مهددة بسبب رقابة لا تمنع العيب
تضخ الدولة مليارات الجنيهات في مشروعات الإسكان الاجتماعي، وقد أعلن الصندوق أن الوحدات المنفذة والجاري تنفيذها لمحدودي الدخل تصل إلى مليون وحدة سكنية، وهو حجم ضخم يجعل أي خلل في التشطيبات والصيانة خطرا عاما على المال العام لا مشكلة فردية محدودة.
غير أن ضخ الأموال لا يضمن وحده جودة السكن، لأن المشكلة الحقيقية تظهر في متابعة الشركات المنفذة ومراجعة البنود الفنية قبل التسليم، فإذا غابت الرقابة الميدانية الصارمة تحول المقاول الرديء إلى طرف رابح، وتحول المواطن إلى ممول غير مباشر لإصلاح تقصير غيره.
كما أن تخصيص صندوق صيانة مركزي أو جزء ثابت من الأقساط لا يجب أن يتحول إلى عبء إضافي على المستفيدين قبل محاسبة الجهات المقصرة، لأن المواطن دفع مقابل وحدة صالحة للسكن، ولا يجوز تحميله تكلفة إصلاح عيب ناتج عن تنفيذ ضعيف أو إشراف غائب.
وفي هذا السياق، يقدم المهندس داكر عبد اللاه، عضو مجلس إدارة اتحاد مقاولي التشييد والبناء ورئيس لجنة إدارة الأزمات، زاوية رقابية مهمة، إذ شدد على ضرورة كيان منظم يحمي السوق من الكيانات غير المؤهلة ويحافظ على حقوق الحاجزين، وهي قاعدة تنطبق على مشروعات الدولة أيضا.
وبالتالي لا يكفي أن تعلن وزارة الإسكان حملات متابعة للنظافة وصيانة المرافق في المدن الجديدة، لأن المطلوب هو ربط كل شكوى بجهة تنفيذ محددة وجدول إصلاح ومحاسبة معلنة، حتى لا تتحول الصيانة إلى بيان دوري بينما يظل السكان ينتظرون عامل السباكة أو فني الكهرباء.
وتبقى الخلاصة أن أزمة الإسكان الاجتماعي لا تتعلق بشقة بها دهان سيئ أو ماسورة معطلة فقط، بل بمنظومة تسليم وصيانة تسمح بانتقال عيوب التنفيذ إلى كاهل محدودي الدخل، وإذا لم تحاسب الحكومة الشركات والمشرفين قبل تحميل السكان تكلفة الإصلاح فسيتحول مشروع السكن إلى مصدر استنزاف جديد للأسر والدولة.

