كشفت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة أن 2473 فلسطينيا من القطاع اجتازوا قرعة الحج منذ عام 2013، توفي منهم 71 قبل أداء الفريضة، بينما لا يزال 2402 محرومين من السفر حتى اليوم، في ظل إغلاق معبر رفح وتعطل رحلات الحج للعام الثالث على التوالي.
وتضع مأساة سعاد حجاج وجها إنسانيا لهذه الأرقام، إذ سجلت عام 2023 لأداء الحج مع زوجها وشقيقها وزوجة شقيقها، ثم حولت الحرب الإسرائيلية حلم العائلة إلى فاجعة بعد مقتل زوجها، وفقدان شقيقها، وتدمير منزلها، ونزوحها مع أطفالها بعد فقدان المال والمأوى والطريق إلى مكة.
حلم الحج يتحول إلى مأساة عائلية
كانت سعاد حجاج تستعد للسفر إلى الحج قبل اندلاع الحرب، وجمعت مع عائلتها ما يلزم للرحلة التي انتظرتها سنوات، لكن القصف الإسرائيلي بدد هذا المسار بالكامل، فقتل زوجها، وترك شقيقها في عداد المفقودين، ودمر المنزل الذي خرجت منه مع أطفالها من تحت الركام.
وتقول سعاد، وهي نازحة في ملعب اليرموك شرقي مدينة غزة، إن خسارتها لم تقف عند ضياع فرصة الحج أو الأموال التي ادخرتها الأسرة، بل امتدت إلى فقدان الزوج والحياة التي كانت تخطط لها، لتجد نفسها مسؤولة عن أطفال أيتام وسط نزوح طويل وغياب أي أفق قريب.
وبينما يتوافد الحجاج من مختلف دول العالم إلى مكة المكرمة، تبقى سعاد وغيرها من المسجلين في غزة أمام صور المناسك لا أمام طريق السفر، إذ لم يعد المنع مرتبطا بتأخر إداري أو خطأ في القرعة، بل صار نتيجة مباشرة للحرب وإغلاق المعابر وتعطيل الحركة بالكامل.
وتعكس قصتها حال آلاف الفلسطينيين الذين حجزوا أماكنهم في قوائم الحج ودفع بعضهم الرسوم أو انتظر دوره لسنوات طويلة، قبل أن تتحول الأسماء المقبولة إلى قوائم انتظار مفتوحة، لا يعرف أصحابها هل سيسافرون لاحقا أم سيرحلون مثل 71 فلسطينيا ماتوا قبل أداء الفريضة.
معبر رفح يغلق الطريق إلى مكة
قبل الحرب، كان حجاج غزة يغادرون عبر معبر رفح إلى مصر، ثم ينتقلون إلى مطار القاهرة الدولي، ومنه إلى السعودية لأداء المناسك في مكة والمدينة، ضمن ترتيبات تشرف عليها وزارة الأوقاف بالتنسيق مع الجهات المصرية والسعودية وشركات الحج والعمرة داخل القطاع.
غير أن هذا المسار توقف بعد سيطرة إسرائيل على الجانب الفلسطيني من معبر رفح في مايو 2024، ثم استمرار القيود على السفر حتى بعد إعادة فتح محدودة في فبراير 2026 أمام فئات من المرضى والمصابين، وهو ما أبقى ملف الحج خارج أي ترتيب إنساني عملي.
وقال رامي أبو ستيتة، المدير العام للحج والعمرة بوزارة الأوقاف في غزة، إن حصة فلسطين من الحج تبلغ 6600 حاج وحاجة، تحصل غزة منها على 38 بالمئة، أي 2508 حجاج، لكن الحرب حرمت المسجلين والمسددين من السفر للعام الثالث على التوالي.
وتؤكد معطيات أخرى أن نحو 3 آلاف حاج من غزة كانوا يؤدون المناسك سنويا قبل الحرب، بما يشمل البعثات الإدارية والإرشادية ومكرمة مخصصة لذوي الشهداء، لكن إغلاق المعبر منع الوزارة من إنجاز ترتيبات السكن والنقل الجوي والبري التي تحتاج إلى وقت مبكر وضمانات واضحة.
وبحسب أبو ستيتة، فإن 2473 فلسطينيا من غزة اجتازوا قرعة الحج منذ عام 2013 وينتظرون السفر، توفي منهم 71 نتيجة القصف الإسرائيلي أو الوفاة الطبيعية قبل أداء الفريضة، فيما لا يزال 2402 محرومين من الوصول إلى الأراضي المقدسة رغم ثبوت أحقيتهم في القوائم.
حرمان ديني وسط إبادة مستمرة
يمثل منع حجاج غزة من السفر انتهاكا لا يمس حرية الحركة وحدها، بل يطاول حقا دينيا أساسيا للمسلمين، لأن أداء الحج يرتبط بالاستطاعة، وهؤلاء المسجلون امتلكوا الاسم والدور والرغبة وربما الرسوم، لكن الاحتلال أغلق الطريق المادي الوحيد الذي يربط القطاع بالعالم.
وتزداد قسوة المشهد لأن الحرمان يأتي فوق كارثة إنسانية أوسع، فقد خلفت الحرب الإسرائيلية أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح، وفق بيانات فلسطينية نقلتها تقارير دولية، بينما يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني في غزة ظروفا إنسانية شديدة القسوة.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر 2025، استمرت القيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات الإنسانية، كما تواصلت الهجمات التي أوقعت مئات القتلى والجرحى بعد الاتفاق، وهو ما أبقى السكان بين القصف والجوع والمرض وانسداد السفر.
كما أدى الدمار الواسع إلى فقدان نحو 1.5 مليون فلسطيني في غزة مأواهم، وتحولت الخيام والملاعب والمدارس إلى أماكن إقامة قسرية، وفي هذه الظروف لا يصبح الحج حلما مؤجلا فقط، بل يصير علامة على المسافة الهائلة بين حق الإنسان في العبادة وواقع الحصار.
وتقول وزارة الأوقاف في غزة إنها تواصل اتصالاتها مع جهات محلية ودولية لتمكين الحجاج من السفر، إلا أن هذه المساعي تصطدم بإغلاق المعبر وغياب ضمانات الخروج والعودة، وهو ما أكدته تقارير تحدثت عن فشل تسيير موسم الحج للعام الثالث بسبب استمرار المنع الإسرائيلي.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الأوقاف في رام الله تحويل ما تبقى من حصة حجاج غزة إلى محافظات الضفة الغربية والقدس كإجراء استثنائي ومؤقت، وهو قرار يخفف تعطل الموسم رقميا لكنه لا يعالج أصل الأزمة، لأن أصحاب الحصة الأصليين ما زالوا محاصرين داخل غزة.
وتبقى الخلاصة أن مأساة سعاد حجاج لا تنفصل عن ملف 2402 فلسطيني محرومين من الحج، فالحرب لم تقتل أفرادا وتهدم بيوتا فقط، بل عطلت حقا دينيا انتظره الناس سنوات، وجعلت الطريق إلى مكة مغلقا أمام من بقي حيا وسط الركام والنزوح وانتظار معبر لا يفتح.

