نذ 7 أكتوبر 2023 حتى اليوم، وثّقت وزارة الصحة في غزة سقوط 72 ألفًا و70 شهيدًا و171 ألفًا و738 مصابًا، في حرب استمرت نحو عامين قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، لكن الاتفاق لم يوقف القتل بالكامل، بل خفّض وتيرته وغيّر شكله، بينما يغرق القطاع في دمار واسع للبنية التحتية، وتقديرات أممية ترفع كلفة إعادة الإعمار إلى نحو 70 مليار دولار، في ظل هدنة هشة وواقع إنساني واقتصادي مفتوح على مزيد من التعقيد.

 

أرقام الضحايا تحت هدنة لم توقف النار

 

بيان وزارة الصحة الأخير أعلن أن حصيلة العدوان منذ 7 أكتوبر 2023 وصلت إلى 72 ألفًا و70 شهيدًا و171 ألفًا و738 مصابًا، موضحًا أن ما وصل المستشفيات خلال الـ48 ساعة الماضية هو شهيد واحد و10 إصابات فقط، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن أعدادًا أخرى من الضحايا لا تزال تحت الأنقاض وفي الطرقات، وأن طواقم الإسعاف والإنقاذ لا تتمكن من الوصول إلى كل المناطق، ما يعني أن الأرقام المعلنة أدنى من الواقع الفعلي، وأن ما يجري توثيقه في السجلات الطبية يعكس الشطر المتاح من صورة أوسع لحجم الخسائر البشرية.

 

منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، وثّقت وزارة الصحة سقوط 612 شهيدًا و1640 مصابًا بفعل الخروقات الإسرائيلية المتواصلة، سواء عبر قصف محدود أو إطلاق نار أو عمليات موضعية، وهو ما يؤكد أن وصف ما يجري بأنه “وقف إطلاق نار” لا يعني توقفًا كاملًا للعمليات العسكرية، بل تقليصًا لوتيرة العمل العسكري الواسع مقابل استمرار استهدافات متفرقة، تبرّرها إسرائيل باعتبارها “ردودًا دفاعية” أو “عمليات موضعية”، بينما تُقَيَّد في غزة ضمن حصيلة ضحايا عدوان لم يتوقف فعليًا رغم تغيّر كثافته.

 

هذه الحصيلة تبني على بيانات سابقة؛ ففي نهاية 2025 أعلنت وزارة الصحة أن عدد الشهداء تجاوز 71 ألفًا و266 شهيدًا و171 ألفًا و219 مصابًا، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار وقتها، مع تسجيل مئات الضحايا ضمن الخروقات بعد الهدنة، ما يجعل رقم 72 ألفًا و70 شهيدًا اليوم امتدادًا لمسار متصل من الخسائر، لا قفزة مفاجئة، ويُظهر أن الفارق بين الأرقام السابقة والحالية هو حصيلة أشهر من “الهدنة”، لا حصيلة جولة قتال جديدة، بما يعكس طبيعة الوضع الراهن كحرب منخفضة الوتيرة أكثر من كونه سلامًا فعليًا.

 

اتفاق ثلاثي المراحل بين نصوص متقدمة وواقع هش

 

اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 أنهى مرحلة القصف الشامل والاقتحامات البرية الواسعة، لكنه لم يُنهِ الحرب من منظور الضحايا؛ فالنصوص المتداولة تتحدث عن ثلاث مراحل، تشمل المرحلة الثانية تعزيز المساعدات الإنسانية، وخفض الأعمال القتالية، والتحضير لترتيبات حكم وإعادة إعمار وتكامل إقليمي، مع انسحابات إسرائيلية إضافية من مناطق داخل القطاع، ونشر قوة استقرار دولية، وتشكيل هيئة حكم انتقالية في غزة، وفق ما ورد في تسريبات دبلوماسية وتقارير أممية، ما يعكس تصميمًا نظريًا متقدمًا مقابل واقع ميداني ما زال مضطربًا.

 

المرحلة الثانية كان يفترض أن تبدأ مطلع يناير 2026، بحسب ما أبلغته واشنطن للوسطاء، لكن تنفيذها يجري في بيئة مشحونة؛ فهناك تحذيرات فلسطينية متكررة من الخروقات اليومية، وشكوك معلنة حول استعداد إسرائيل لتنفيذ انسحابات إضافية، أو القبول بآلية حكم انتقالية لا تضمن لها سيطرة أمنية واسعة، وهو ما ينعكس في استمرار “اشتباكات محدودة” على الأرض ينتج عنها قتلى وجرحى، وتظهر أسماؤهم في بيانات وزارة الصحة ضمن قائمة الشهداء والمصابين بعد وقف النار، بما يربط بين مسار التفاوض ومسار استمرار الخسائر البشرية.

 

في المقابل، تحاول السلطة الفلسطينية وفصائل غزة الدفع باتجاه إلزام إسرائيل بفتح المعابر وتثبيت مسارات إدخال المساعدات الغذائية والطبية ومواد الإيواء، وتعتبر أن أي حديث عن “مرحلة ثانية” لا يتضمن تغييرًا جوهريًا في القيود على الحركة والمواد الأساسية سيبقى أقرب إلى تجميل لاتفاق هش، لا إطار حقيقي لحل أو تهدئة مستدامة، حيث يرى الفاعلون الفلسطينيون أن اختبار جدية الاتفاق لا يكون في صيغته السياسية فقط، بل في قدرة سكان القطاع على ملاحظة فارق مادي في حياتهم اليومية، من حيث الغذاء والدواء والأمن والقدرة على التنقل والعمل.

 

دمار شبه كامل وأزمة إنسانية مفتوحة وإعادة إعمار معلقة

 

إلى جانب الخسائر البشرية، تشير تقديرات أممية إلى أن نحو 80–90% من البنى التحتية المدنية في قطاع غزة دُمّرت أو تضررت بدرجات مختلفة، بما يشمل الطرق الرئيسية والفرعية، وشبكات المياه والصرف الصحي، وخطوط الكهرباء، إضافة إلى المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس، مع تقديرات تتحدث عن عشرات الملايين من الأطنان من الأنقاض المتراكمة، ما يجعل من إزالة الركام وحدها عملية قد تمتد لسنوات، قبل الانتقال إلى مراحل بناء جديدة، وهو ما يعقّد أي تصور سريع لعودة الحياة إلى مستويات مقبولة.

 

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قدّر أن تكلفة إعادة إعمار غزة قد تصل إلى نحو 70 مليار دولار، بعد أن كانت التقديرات الأولية في مراحل سابقة أقل، عند مستوى يقارب 53 مليار دولار، قبل اتساع نطاق الدمار مع استمرار العمليات العسكرية، مع الإشارة إلى أن أكثر من 425 ألف وحدة سكنية تضررت أو دمرت كليًا أو جزئيًا، وأن نسبة الدمار في مدينة غزة وحدها تقترب من 90–92% في بعض الأحياء، ما يعني أن إعادة البناء يمكن أن تمتد لعقد أو أكثر، في حال توفر التمويل والاستقرار الأمني والسياسي، وهي شروط غير متحققة حتى الآن.

 

تقرير مشترك سابق للبنك الدولي والأمم المتحدة كان قد قدّر الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية بحوالي 18.5 مليار دولار، تعادل نحو 97% من الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية وغزة في 2022، لكن استمرار القصف وتوسع نطاق العمليات حتى ما بعد صدور تلك التقديرات رفع الفاتورة إلى مستويات أعلى، لتصبح أرقام 70 مليار دولار الحالية جزءًا من صورة أوسع لأزمة تمويلية وسياسية، تشمل ليس فقط كلفة إعادة البناء، بل أيضًا سؤال من سيتحمل هذه الكلفة، وتحت أي ترتيبات سياسية وأمنية يمكن تنفيذ مشاريع بهذا الحجم.

 

على المستوى الإنساني، تتواصل التحذيرات من تدهور الأوضاع في غزة رغم إعلان وقف إطلاق النار؛ فقيود دخول المساعدات ما زالت قائمة بدرجات مختلفة، ووصول الإمدادات إلى شمال القطاع والمناطق الأكثر تضررًا يواجه صعوبات لوجستية وأمنية، مع تقارير عن عائلات بلا مأوى دائم حتى الآن، واعتماد مئات الآلاف على مخيمات مؤقتة أو مدارس مدمرة جزئيًا كملاجئ، في ظروف معيشية وصحية قاسية، تشمل نقصًا في المياه الصالحة للشرب، وضعف خدمات الصرف الصحي، ومخاطر تفشي أمراض في بيئة مكتظة وفقيرة الموارد.

 

الوساطة الدولية، التي تشارك فيها مصر وقطر والولايات المتحدة وأطراف أممية، تحاول الدفع نحو تثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ مراحله المختلفة، لكن ردود الفعل على الخروقات الإسرائيلية بقيت في معظمها عند مستوى الإدانة السياسية أو التصريحات الدبلوماسية، دون أدوات ضغط اقتصادية أو قانونية مؤثرة تُلزم إسرائيل بالمسار المتفق عليه، ما يترك المدنيين في غزة في مساحة رمادية؛ لا حرب شاملة كما في 2023–2025، ولا سلام أو تهدئة كاملة، بل حالة “لا حرب ولا سلم” تستنزف ما تبقى من بنية المجتمع والاقتصاد، وتُبقي المخاطر مفتوحة.

 

في هذا السياق، تصبح أرقام 72 ألف شهيد و171 ألف مصاب، و612 شهيدًا إضافيًا و1640 مصابًا بعد اتفاق وقف النار، ليست مجرد بيانات دورية في بيانات رسمية، بل مؤشرًا على أن غزة دخلت مرحلة جديدة عنوانها أن انتهاء الحرب عسكريًا لا يعني انتهاء آثارها على الأرض، وأن أي حديث عن إعادة إعمار أو حلول سياسية سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف الدولية والإقليمية على تحويل اتفاق وقف إطلاق النار من نصوص ومراحل معلنة إلى واقع محمي بأدوات تنفيذ وضمانات حقيقية، توقف الخسائر البشرية فعليًا، وتفتح مسارًا قابلًا للتطبيق نحو حياة أقل هشاشة لسكان قطاع دفع ثمنًا بشريًا وماديًا غير مسبوق في تاريخه الحديث.