وجه 6 من خبراء الأمم المتحدة خطابًا إلى الحكومة المصرية، أعربوا فيه عن قلقهم من توقيف عشرات الأشخاص خلال وبعد مظاهرات سلمية نُظمت في أكتوبر 2023 دعمًا للفلسطينيين. الخطاب اعتبر أن التعامل الأمني اعتمد على قوانين مكافحة الإرهاب والنظام العام ضد أنشطة ذات طابع سلمي، بما قد يتعارض مع التزامات مصر الدولية في مجال حقوق الإنسان، وفق ما ورد في مضمون الخطاب.
ويرى باحثون حقوقيون أن النقطة الأشد حساسية ليست فقط في أعداد الموقوفين، بل في “منطق الاتهام” الذي يخلط بين التضامن السلمي وجرائم الإرهاب. منظمة العفو الدولية تحدثت عن “صفر تسامح” مع احتجاج سلمي غير مُعتمد رسميًا، حتى لو كان تضامنًا مع فلسطين، ودعت للإفراج عن المحتجزين على خلفية هذه القضايا.
حملات توقيف من 20 إلى 25 أكتوبر.. وأرقام في خطاب الخبراء
بحسب ما أورده خطاب الخبراء، شهدت الفترة من 20 إلى 25 أكتوبر 2023 حملات توقيف في القاهرة والإسكندرية ومحافظات أخرى. الاستهداف شمل مشاركين في المظاهرات وأشخاصًا تواجدوا قربها. الخطاب تحدث عن توقيف 88 شخصًا على الأقل، ثم حبس 67 منهم احتياطيًا، مع احتجاز بعضهم أيامًا في أماكن غير معلومة قبل العرض على النيابة.
وتتقاطع هذه الصورة مع توثيقات حقوقية سابقة. “هيومن رايتس ووتش” قالت إن السلطات احتجزت وحققت مع عشرات المحتجين السلميين منذ بداية أكتوبر 2023، وطالبت بالإفراج عن المحتجزين بسبب المشاركة أو الدعوة لاحتجاجات سلمية، وإسقاط الاتهامات المرتبطة بها.
خبيرة “العفو الدولية” للمنطقة، سارة حشاش، اعتبرت أن التضييق طال خصوصًا أي نقد لسياسات الحكومة المتعلقة بالحرب في غزة، وأن ما يُسمح به من “التضامن” لا يتسع لكل أشكاله. حديثها يضع الملف في إطار أوسع من واقعة توقيف إلى سياسة ثابتة في التعامل مع المجال العام.
اتهامات “أمن دولة” وحدود القانون الدولي
الخطاب الأممي شدد على أن ربط الاحتجاجات السلمية باتهامات إرهابية يثير مخاوف جدية، وأن القانون الدولي يشترط مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب عند تقييد الحقوق. كما أشار إلى أن مصر صدّقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما يحمّلها مسؤولية حماية حرية التعبير والتجمع السلمي، بحسب ما ورد في الخطاب.
مصادر حقوقية مصرية تحدثت عن نمط اتهامات متكرر أمام نيابة أمن الدولة العليا. مبادرة “المصريّة للحقوق الشخصية” أشارت، في سياق قريب، إلى القضية رقم 2469/2023 التي تضم 14 متهمًا بينهم طفل، وأن بعض الاتهامات شملت “الانضمام إلى جماعة إرهابية” و”التجمع غير المصرح به”.
خبير قانوني حقوقي في المبادرة، في عرضها للملف، لفت إلى أن استمرار الحبس الاحتياطي لسنوات يتجاوز في بعض الحالات الحدود القصوى التي يقررها القانون، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية مسارًا يفرغ “الاحتياطي” من صفته المؤقتة. هذه القراءة تُفسر لماذا ركّز الخطاب الأممي على الأساس القانوني لاستمرار الحبس، لا على واقعة التوقيف فقط.
ظروف الاحتجاز والاختفاء القسري.. أسئلة بلا إجابات حاسمة
الخطاب تناول حالتين في الإسكندرية، وقال إن قوات الأمن ألقت القبض عليهما خلال مظاهرات 20 أكتوبر 2023 ثم احتجزتهما يومين قبل العرض على نيابة أمن الدولة في القضية رقم 2469 لسنة 2023. واعتبر الخبراء أن الحالتين تعكسان نمطًا أوسع يستدعي توضيحًا رسميًا من الحكومة.
وفي محور موازٍ، أعرب الخبراء عن قلقهم من تقارير عن اكتظاظ داخل سجن العاشر من رمضان، وضعف تهوية، وقيود على التواصل مع المحامين وأفراد الأسرة. هذه النقطة تلتقي مع خلاصات تقارير دولية أوسع عن ظروف احتجاز قاسية و”مهددة للحياة” في مصر، وفق ما جاء في تقارير حقوقية رسمية.
تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر أشار إلى أن السلطات احتجزت بعض الأشخاص في مقار تابعة لجهاز الأمن الوطني أو أقسام شرطة دون إدراجهم في سجلات رسمية، وهي صياغة تعزز مخاوف مسألة الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي التي طرحها خطاب الخبراء.
في ختام خطابهم، طلب الخبراء توضيحات حول الأساس القانوني للتوقيفات واستمرار الحبس الاحتياطي، وما هي الإجراءات التي تمنع الاختفاء القسري، وكيف تضمن الدولة توافق تشريعات مكافحة الإرهاب مع التزاماتها الدولية.
وفي المقابل، تقول منظمات حقوقية مستقلة إن تجديد الحبس في قضايا “أمن دولة عليا” يستمر بحق مئات المتهمين على خلفية أنشطة تضامن مع الفلسطينيين، بينهم 3 قُصّر كانوا دون 18 عامًا وقت توقيفهم، وهو ما يبقي الملف مفتوحًا على مساءلة سياسية وقانونية ممتدة.

