في الوقت الذي تواصل فيه حكومة عبدالفتاح السيسي، التأكيد على تبني سياسات تقشفية صارمة وترشيد الإنفاق العام لمواجهة الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، تكشف البيانات الرسمية عن اتجاه معاكس على أرض الواقع، يتمثل في ارتفاع ملحوظ لمعدلات الإنفاق الحكومي، وخاصة في بند المشتريات الحكومية، الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة حول مدى التزام الجهات الحكومية بخطط التقشف المعلنة.

 

وأظهر تقرير حديث صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع الإنفاق الحكومي على بند "شراء السلع والخدمات"، وهو أحد أهم بنود المصروفات الجارية بالموازنة العامة، ليصل إلى نحو 143.9 مليار جنيه خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026، مقارنة بنحو 120.1 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، بزيادة تقارب 24 مليار جنيه.

 

وتشمل هذه المشتريات النفقات التشغيلية اليومية اللازمة لإدارة الوزارات والهيئات الحكومية، بما في ذلك المستلزمات الطبية، والمواد الخام، وأعمال الصيانة، والإنارة، والأدوات المكتبية، ومصروفات السفر والانتقالات، والمؤتمرات والإعلانات والخدمات المختلفة.

 

قفزة كبيرة في الربع الثالث

 

وتكشف البيانات الرسمية أن الإنفاق الحكومي شهد تسارعاً واضحاً خلال الربع الثالث من العام المالي الجاري، حيث بلغ إجمالي المشتريات الحكومية نحو 46.1 مليار جنيه، مقارنة بنحو 36.3 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة بلغت 9.8 مليار جنيه، تعادل نحو 27 بالمئة.

 

أما خلال شهر مارس الماضي وحده، فقد وصلت قيمة المشتريات الحكومية إلى 14.3 مليار جنيه، مقابل 13.5 مليار جنيه في الشهر ذاته من العام السابق، بزيادة تقترب من 800 مليون جنيه، رغم أن هذا الشهر شهد تصاعد التوترات الإقليمية واندلاع الحرب الإيرانية وما صاحبها من دعوات حكومية لتشديد إجراءات التقشف وترشيد النفقات.

 

تعليمات حكومية صارمة.. ونتائج معاكسة

 

وكانت الحكومة قد أصدرت خلال الفترة الماضية سلسلة من التعليمات والإجراءات الهادفة إلى تقليص الإنفاق العام، تضمنت تأجيل المصروفات غير الضرورية، وتشديد الرقابة على الإنفاق بالعملة الأجنبية، ومنع اتخاذ قرارات تؤدي إلى زيادة أعباء الموازنة، والحد من السفر الخارجي إلا للضرورة القصوى.

 

كما شملت الإجراءات حظر عقد المؤتمرات والاجتماعات غير الضرورية، وتقليص الإنفاق على الإعلانات والدعاية، وتأجيل تنفيذ مشروعات جديدة، والتركيز فقط على الاحتياجات التشغيلية الأساسية.

 

إلا أن الأرقام الرسمية الصادرة عن أجهزة الدولة نفسها تعكس استمرار نمو الإنفاق في عدد من البنود التشغيلية، وهو ما دفع خبراء اقتصاديين إلى التشكيك في فعالية إجراءات التقشف المعلنة وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة.

 

تناقض بين الخطاب السياسي والواقع الإداري

 

ويرى الخبير الاقتصادي ومستشار التطوير المالي والإداري الدكتور علي شيخون أن ما يحدث يعكس أزمة هيكلية داخل الجهاز الإداري للدولة، تتمثل في الفجوة بين الخطاب السياسي المعلن والواقع التنفيذي للمؤسسات الحكومية.

 

ويشير إلى أن الحكومات عادة ما تلجأ إلى إطلاق رسائل تقشفية في أوقات الأزمات الاقتصادية أو الجيوسياسية بهدف طمأنة الأسواق والمؤسسات الدولية والدائنين، إلا أن تنفيذ تلك الرسائل يصطدم في كثير من الأحيان ببيروقراطية حكومية ضخمة تتحرك وفق قواعد وإجراءات يصعب تغييرها بشكل سريع.

 

ويضيف أن العديد من عقود التوريد والمشتريات الحكومية تكون قد أُبرمت بالفعل قبل أشهر من إعلان إجراءات التقشف، ما يجعل إيقافها أو تعديلها أمراً مكلفاً قانونياً ومالياً.

 

ومع ذلك يؤكد أن هذا التفسير لا يكفي لتبرير استمرار الإنفاق على بنود يمكن تأجيلها أو تخفيضها فوراً، مثل المؤتمرات والفعاليات والانتقالات والدعاية، معتبراً أن غياب قرارات تنفيذية ملزمة بتجميد هذه المصروفات يقلل من مصداقية خطط التقشف.

 

أزمة الديون تضغط على المالية العامة

 

ويأتي هذا الارتفاع في الإنفاق الحكومي في وقت تواجه فيه مصر أعباء متزايدة لخدمة الدين العام، حيث ارتفعت مخصصات فوائد الدين خلال الفترة نفسها إلى نحو 1.8 تريليون جنيه مقارنة بنحو 1.5 تريليون جنيه في العام السابق.

 

كما يواصل الدين الخارجي تسجيل مستويات مرتفعة بلغت نحو 163.9 مليار دولار بنهاية عام 2025، وسط احتياجات تمويلية كبيرة والتزامات متزايدة تجاه المؤسسات المالية الدولية.

 

وتنتظر مصر الحصول على تمويل جديد من صندوق النقد الدولي بقيمة 1.6 مليار دولار ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي، في الوقت الذي تواصل فيه سداد أقساط وفوائد القروض المستحقة للصندوق.

 

هل التضخم مسؤول عن ارتفاع الإنفاق؟

 

ويرى مراقبون أن جزءاً من الزيادة المسجلة في المشتريات الحكومية يعود إلى الارتفاع الكبير في معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع والخدمات، ما يعني أن الحكومة قد تكون تنفق مبالغ أكبر للحصول على الكميات نفسها أو حتى كميات أقل من السلع والخدمات.

 

لكن خبراء اقتصاديين يؤكدون أن تأثير التضخم لا يفسر وحده استمرار ارتفاع الإنفاق على بنود غير إنتاجية، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تتطلب توجيه الموارد المحدودة نحو القطاعات الأكثر أولوية.

 

المواطن يدفع الثمن

 

وفي المقابل، تتجه الحكومة نحو تنفيذ إجراءات اقتصادية جديدة تشمل توسيع برنامج الدعم النقدي بدلاً من الدعم العيني، إلى جانب استمرار رفع أسعار عدد من الخدمات والسلع الأساسية.

 

وشهد العام الجاري زيادات في أسعار الوقود والكهرباء والمياة والغاز المنزلي والمواصلات وخدمات الاتصالات.

 

كما تكشف ملامح الموازنة الجديدة عن توجه لزيادة الحصيلة الضريبية والاعتماد على مزيد من الاقتراض لتغطية العجز المالي الذي يتجاوز تريليون جنيه.