تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية تحديات متصاعدة في معركتها ضد فيروس إيبولا، بعد تعرض فرق متخصصة في دفن ضحايا المرض لهجمات من قبل سكان محليين، في تطور أثار مخاوف واسعة من تسارع انتشار الوباء وتعقيد جهود السلطات الصحية والمنظمات الدولية الرامية إلى احتواء التفشي المتجدد للفيروس في شرق البلاد.

 

وكشفت وزارة الصحة الكونغولية عن حادثة خطيرة وقعت في بلدة كاتانا التابعة لإقليم كيفو الجنوبي شرقي البلاد، حيث اضطر فريق مدرب على تنفيذ عمليات الدفن الآمن لضحايا إيبولا إلى الفرار بعد تعرضه لهجوم عنيف من قبل مجموعة من السكان المحليين، تاركاً أحد التوابيت في موقع الحادث.

 

وأوضحت الوزارة أن البلدة تقع على بعد نحو 30 كيلومتراً شمال مدينة بوكافو، عاصمة إقليم كيفو الجنوبي، مؤكدة أن الواقعة تثير قلقاً بالغاً لدى السلطات الصحية بسبب احتمال تعامل السكان مع الجثث الملوثة بعيداً عن الإجراءات الوقائية المعتمدة، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور سلاسل عدوى جديدة في المنطقة.

 

مخاوف من انتشار العدوى عبر الجثامين

 

ويعد التعامل المباشر مع جثامين ضحايا إيبولا أحد أخطر أسباب انتقال الفيروس، إذ تؤكد البروتوكولات الصحية الدولية ضرورة إجراء عمليات دفن خاصة وآمنة تحت إشراف فرق مدربة ومجهزة بمعدات وقائية متخصصة.

 

وفي هذا السياق، أكد مدير أحد المستشفيات المحلية أن الفريق الذي تعرض للهجوم كان مكلفاً بتنفيذ إجراءات الدفن الآمن والإنساني للمتوفين، بهدف منع انتقال العدوى إلى ذوي الضحايا وسكان المنطقة.

 

وأشار المسؤول الطبي إلى أن الحادث وقع في منطقة تخضع لسيطرة متمردي "التحالف من أجل التغيير" و"حركة 23 مارس"، ما يزيد من صعوبة وصول الفرق الصحية والإنسانية إلى المجتمعات المحلية ويعقد عمليات الاستجابة السريعة للتفشي.

 

ووفقاً لتقرير رسمي، فقد أقدم بعض السكان على التعامل مع الجثة بطريقة تقليدية فور مغادرة الفريق الطبي للموقع، وهو ما تعتبره السلطات الصحية تطوراً بالغ الخطورة نظراً لاحتمال انتقال الفيروس إلى عدد كبير من المخالطين.

 

أزمة ثقة بين السكان والقطاع الصحي

 

ويعكس هذا الحادث جانباً من أزمة الثقة المستمرة بين بعض المجتمعات المحلية والمؤسسات الصحية في المناطق الشرقية من الكونغو، وهي أزمة طالما اعتبرها الخبراء إحدى العقبات الرئيسية أمام القضاء على موجات إيبولا المتكررة.

 

وتشير تقارير ميدانية إلى أن بعض الأسر لا تزال تبدي شكوكاً تجاه التشخيصات الطبية وأسباب الوفاة المعلنة، ما يدفعها أحياناً إلى رفض إجراءات الدفن الرسمية أو منع الفرق الصحية من أداء مهامها.

 

وخلال الأسابيع الأخيرة، سجلت عدة حوادث استهدفت العاملين في المجال الصحي والإغاثي، كان أبرزها حادثة وقعت في مدينة بونيا، عاصمة إقليم إيتوري، حيث تعرض فريق طبي لاعتداء داخل إحدى المقابر أثناء قيامه بمهامه، ما أدى إلى إصابة أربعة أشخاص بجروح متفاوتة.

 

ويرى مراقبون أن استمرار هذه الاعتداءات قد يقوض جهود احتواء الوباء، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من اضطرابات أمنية وصراعات مسلحة مزمنة تحد من قدرة الدولة على فرض السيطرة وتوفير الحماية للفرق الطبية.

 

أرقام مقلقة تعكس اتساع نطاق التفشي

 

وتظهر البيانات الرسمية أن الوضع الوبائي في الكونغو لا يزال مثيراً للقلق، إذ سجلت السلطات الصحية 363 إصابة مؤكدة بفيروس إيبولا و62 حالة وفاة منذ الإعلان عن التفشي السابع عشر للمرض في البلاد منتصف مايو الماضي.

 

كما رصدت وزارة الصحة خلال أحدث تحديثاتها 19 إصابة جديدة مؤكدة، من بينها حالتا وفاة، ما يعكس استمرار انتقال العدوى رغم الإجراءات الوقائية المشددة التي يتم تطبيقها في المناطق المتضررة.

 

وامتد انتشار المرض ليشمل 17 منطقة صحية من أصل 36 منطقة في إقليم إيتوري، إضافة إلى سبع مناطق صحية في إقليم كيفو الشمالي ومنطقة واحدة في إقليم كيفو الجنوبي، وهو ما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للتفشي ويزيد من الضغوط على المنظومة الصحية.

 

تحركات أممية لتعزيز المراقبة والاحتواء

 

وفي مواجهة هذا التصاعد، كثفت المنظمات الدولية جهودها لدعم السلطات الكونغولية ومنع انتقال المرض إلى مناطق جديدة داخل البلاد أو عبر الحدود.

 

وأعلن فرانتس سيليستين، المدير الإقليمي للمنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، أن المنظمة تعمل حالياً على إنشاء 30 نقطة مراقبة صحية موزعة على الأقاليم الثلاثة المتضررة، بهدف فحص المسافرين والكشف المبكر عن الإصابات المحتملة والحد من حركة الفيروس.

 

دعم لوجستي لتعزيز عمليات الدفن الآمن

 

وفي إطار دعم الاستجابة الإنسانية، أعلن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر وصول شحنة مساعدات إلى مدينة بونيا تتضمن معدات وتجهيزات تكفي لتنفيذ نحو 300 عملية دفن آمنة وصحية.

 

ويعد توفير هذه المعدات أمراً حيوياً في مواجهة المرض، إذ تسهم عمليات الدفن الآمن في تقليل فرص انتقال العدوى بشكل كبير، خاصة في المجتمعات التي تشهد معدلات إصابة مرتفعة.

 

وأكدت المنظمات الإنسانية أن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطاً بدرجة كبيرة بتعاون المجتمعات المحلية وقبولها للإجراءات الوقائية التي توصي بها الجهات الصحية المختصة.

 

مؤشرات إيجابية وسط الأزمة

 

ورغم المخاوف المتزايدة، أعلنت وزارة الصحة تسجيل بعض المؤشرات المشجعة في عدد من المناطق المتضررة.

 

وأوضحت أن 32 شخصاً كانوا ضمن قائمة المخالطين لحالات مؤكدة في منطقة روامبارا بإقليم إيتوري أكملوا فترة المراقبة الطبية البالغة 21 يوماً دون تسجيل أي إصابات جديدة، ما يشير إلى نجاح إجراءات المتابعة والاحتواء في تلك المنطقة.

 

كما تستعد مدينة جوما للإعلان عن تعافي إحدى المصابات بشكل كامل من المرض، في خطوة اعتبرتها السلطات الصحية دليلاً على فعالية الرعاية الطبية المقدمة للمصابين عند اكتشاف الحالات مبكراً.

 

وأكد فريدي كانيكي، نائب منسق متمردي التحالف من أجل التغيير وحركة 23 مارس، أن المريضة غادرت المستشفى وعادت إلى أسرتها بعد تعافيها التام، ما يمنح بارقة أمل وسط تحديات صحية وأمنية معقدة تواجهها البلاد.